حسني عبد الرحيم
المسرح في الصندوق الإيطالي(الرُكح) في حالة تحول منذ بداية القرن العشرين فألمسرح الكلاسيكي كان تمثيل بديكورات وملابس خاصة لأعمال أدبية مكتوبة كحوارات بين أشخاص تجمعهم وحدة الزمان والمكان وهو مختلف عن مايُسمى ألمسرح الأغريقي الذي تدور الحوارات خلاله بين أفكار ومُثل عقلية وأخلاقية وليس بين فردانيات..
فألمسرح الحديث من معالم تفتح الفردية ومتزامن مع الرواية …”شكسبير” و”موليير” لم يكونا ممكنين قبل عصر البضاعة والمنيفاكتورة! “الموناد” الذات الفردية ذات التكوين النفسي المصطرب والدوافع الإجتماعية المتناقضة والتى يحتويها محيط مديني متصارع ودول قومية متحاربة ويوتوبيات إجتماعية تحررية وإنتظارات ألفية هى المجال البراديجمي لتكون الأيدلوچيات المعاصرة وفي قلبها الفن والأدب ومن ضمنه الأدب الروائي والمسرحي! كان الشعر الملحمي هو سجل العصور القديمة وأصبح الأدب الحكائي هو سجل العصر الحديث!حدثت تحولات للشعر ليعبر عن الصراعات النفسية والوجودية للإنسان الحديث في متاهة المدينة ولكن الرواية صارت مرآة لهذا الصراع !المسرح يقع بين عالمين وتاريخين دون أن أحدهما كليآ !فألعلبة الإيطالية (الرُكح)محدودة التمثيل والنظارة ليسوا تمثل لجماهير بألمعنى الحديث ومن هنا جاءت محاولات تعديل المسرح بمشتقات من خاج المجال الكلاسيكي وبالاخص من آسيا لخلق مسرح غير منفصل وحواري في البريختية وتوابعها حتى مسرح المضهدين في أمريكا الجنوبية أي إخراج المسرح من العلبة الإيطالية لعصر النهضة،لكن بقي العرض المسرحي معروض للخاصة وليس جماهيريآ!حتى أن النظارة كانوا ومازلوا يحرصون على الحضور بملابس السهرة كما لو كانوا ذاهبين لحفلة خاصة لكنهم يدفعون ثمن لتذكرة الدخول وبقى متخفيآ وظاهرآ في تقليد وإداء المسرح كثير من الطقوس الكنسية وحتى المباني المسرحية ألقديمة شابهت عمارة الكاتدرائيات. السينما وجهت للمسرح ضربة غير قاضية فهى مجال مفتوح على المدينة ومتاح للجماهير والمونتاچ السينمائي يعيد إنتاج الحكايات و يشكلها والتمثيل في السينما ليس في الوجود الكريزماتي للممثلين المسرحيين العظام بل في محاكاة الوجود الفعلي للشخصيات في حياتها اليومية لتماثل وجودها الإجتماعي وتضمن الأندماح والتمثيل النفسي للحكايات بألتصوير والظلال والمونتاچ المتوازي والتركيب بشريط الصوت والموسيقى التصويرية وليس إلقاء المواعظ بالأصوات الجهورية والملابس والديكور والحركة المحدودة بمساحة الرُكْح.
مخرج السينما مختلف في سيطرته على مخرجات العرض عن مخرج المسرح فهو جزء من ماكينة يختار أجزاءها بنفسه تتضمن ليس فقط الممثلين بل المصورين والمونتيرز والموسيقيين أساسآ ! يمكن دخول قاعات العرض السينمائي بملابس العمل أو الرياضة كما يمكن التمتع بألمأكولات والمشروبات والقُبل أثناء العرض والإظلام بينما تقاليد المسارح لاتُبيح ذلك!المسرح يمارس مقاومة الإنزواء في الماضي بإدخال أدوات سينمائية(سينوغرافيا) وبناء الديكور بصريآ وتكوين الممثلين بشكل مختلف يتضمن تقنيات عروض الرقص والسيرك. لكن السينما خطت خطوات هائلة تقنيآ من السينا الصامتة لعالم السينما الملونة والسينما سكوب و الثلاث أبعاد وبعد أن كان أي جاراچ يمكن أن يتحول لقاعة عرض سينمائي أصبحت المشاهدة مفتوحة من مقاعد السيارات! الترجمة المكتوبة والدوبلاچ في السينما جعلها معولمة فممثلي هوليود أو القاهرة أو بومباي معروفين بكل اللغات!بينما “سارة برنارد” و”يوسف وهبى“ و”لورانس أوليفيه” هم ممثلين محليين معروفين في بلادهم فقط ! ممثلي السينما ك”روبرت دي نيرو” وأ”ميتاب باتشام” و”أحمد ذكي” كما لاعبي كرة القدم “مارادونا” و”ميتسي” و”محمد صلاح” مشهورين في كل العالم أكثر من معظم السياسيين بإستثناء “لينين” و”أوباما” بالطبع! التليفزيون والڤيديو كان تأثيرهما على السينما متناقض فمن ناحية الأفلام أصبحت في متناول الجميع للمشاهدة المنزلية التي صارت فردية! وبعد أن كانت المدن تعج بدور العرض السينمائي بدأت قاعات العرض القديمه تُغلق أبوابها وتبدأ عملية إفتتاح مجموعات الصالات الصغيرة المجمعة في المولات التجاريه معروضة بجانب الكوكاكولا وحفاضات الأطفال! كان تأثير التليڤزيون على المسرح كبير جدآ فألمنافسة مع المسلسلات التلڤزيونية كانت في غير صالح المسرح إلا في الأعمال الكوميدية (الهزلية) و”الكوميدي شو” تبثها السهرات التليفزيونية مصحوبة بألإعلانات عن المشروبات الغازية والبسكويت. منذ الستينات القرن العشرين خرجت العروض المسرحية من مفاهيم المسرح الأدبي لعروض مركبة من الموسيقى والرقص والإبهار الضوئي لتصبح” شو”(“المسيح نجم فوق العادة”..”أو كلكتا”)معتمدة على تقنيات بصرية وأضمحل دور التمثيل كعنصر جوهري في العمل المسرحي وصار الرُكح مزدحمآ بعشرات المؤديين لحركات راقصة وعنيفة ،بينما تحول العديد من الممثلين المسرحيين الموهوبين للعمل للسينما والتليفزيون.
الانترنت واليوتيوب والمنصات و”التيك توك” مصحوبة بألكاميرات الرقمية والتليفونات الذكية كلها كانت لصالح السينما وخصم من نفوذ المسرح وصار المسرح طقس لطائفة تعتبر نفسها مميزة ثقافيآ ويذهبون لمشاهدتة كما كانوا يفعلون في آخر كل أسبوع في الذهاب لصلاة الأحد لمقابلة الله والجيران.
بينما التوزيع السينمائي تبدل جوهريآ فإن الإنتاج السينمائي شهد نموآ خرافيآ في الإستثمار المالي والبشري وكذلك المشاهدة الفردية أوصلت إنتاجات الفن السينمائي للملايين حتى في جبال الهمالايا ، وأصبحت الصور المتحركة هي وثيقة العالم الفعلية متزامنة مع حدوث الفعل. إنحسرت الكتابات المسرحية تقريبآ في كل الثقافات وكانت الإستعانة بألتراث الفلكلوري محاولة لسد فراغ الكتابة المسرحية وكذلك الكتابة بواسطة الممثلين لأدوارهم !وآخر أسماء الكتاب المسرحيين المعروفين تعود لمرحلة الخمسينات والستينات من القرن العشرين وغالبيتهم شبه فلاسفة ،والنقد المسرحي شبه نادر ومعظمه بحوث أكاديمية بينما تزدحم صفحات الصحف الكبرى بألنقد السينمائي . رقص الباليه لم يختفي ولكنه تحور للرقص الحديث والعروض الموسيقية المركبة والراقصة ،والمسرح لن يختفي ولكنه سيُدمج بشكل أو آخر في العروض الموسيقية والغنائية الكبرى والمعدة للتصوير والعرض في القنوات التلڤزية على جماهير واسعة في منازلهم ،والتى لا تشترط الحضور بملابس معينة.
الرواية نفسها أصبحت تُكتب للسينما كما تأسست الرواية الأمريكية الحديثة(بوخنر ،دوس باسوس، شتاينبك،همنجواي)على التكنيك السينمائي من قطع وإسترجاع(فلاش باك) كما هو الحال نسبيآ مع أعمال “نحيب محفوظ”و”إحسان عبد القدوس” في السينما المصرية وهذا مسار لا تفرضه سيطرة فكرية معينة (إمبريالية) بل في طبيعة تطور الإنتاج السلعي والمدن الكبرى والتكنولوچيا الحديثة التى تشكل ذهنية وعادات السكان الجُدد اللذين سيعملون فرادى ويحتاجون لفن للترويح عن أنفسهم وهو عالم “البوب -كلشر “والتى تُنتج فيه الثقافة كسلعة تحقق أرباح وتستدعي إستثمارات كما نرى في العروض الإستعراضية الكبرى وبناء الملاعب الرياضية الهائلة والتداخل بينهم وبين الإعلام المرئي والمقروء ! سيبقى هناك مساحة هامشية من “الثقافة الراقية” ومن ضمنها المسرح يرتادها فئة محدودة . هذه شروط موضوعية تحدد حدود وإمكانيات الثقافة بشكل عام وخصوصا المجال المسرحي وهى لايمكن عكسها بألوعظ والإرشاد والبيانات الجماليةالطليعية! فقط يمكن التكيف الإيجابي معها وهذا تقريبآ ماتم في البلاد الصناعية ضمن ثقافة الإستعراض(Show -Spectacle). المسرح في عملية أفول تاريخي ستستمر لأنه لم يعد المجال المناسب للتأثير في جماهير مرتبطة بألسوق و تعيش في الميجا-مدن وتتناول وجبات الطعام السريعة من “ماكدونالد“،وتشاهد مسلسلات التليفريون الأمريكية المدبلجة، وتتابع بشغف مسابقات كرة القدم وتراهن على نتائجها المحتملة. لكن المسرح الرُكحي سيستمر في الوجود كحالة نوستالچيا لقطاع صغير من المثقفين والمرفهين كما أستمر فن الباليه و”موسيقى الحجرة” في عصر السينما وموسيقى “الميتالك” و”الروك أندرول” و”الثقافة الجماهيرية” المعممة!



