“حسني عبد الرحيم”
تاريخ البشرية ربما يمكن إعتباره تاريخ لتغير الهويات عبر الزمن فألتجمعات البشرية البدائية والتى لم تنشغل طبعآ بطرح سؤال الهوية لم تكن تعرف عن العالم المحيط سوى جيرانها من المحموعات والتى تعرف نفسها من خلال العمل المشترك في الصيد وجمع الثمار ولم تكن حتى الأسرة الثنائية موجود ولا الأبوية المذكرة بل كان النسب أموي وكان أفراد هذه المجموعات يحملون هوية مجمعوتهم والتى تحولت مع التكاثر إلى قبلة ونستطيع أن نرصد حتى الآن آثار من هذا التاريخ في التسميات كأولاد فلان أو بن فلان أو فلانه !العالم بألنسبة لعضو القبيلة أو العرش كما سميت من بعد هو حدود قبلته التى يدافع عنها ويعيش معها وبواسطتها وتطورت ضمن هذا المجال العبادات الطوطمية سواء لإستجلاب المطر ولمواجهة النوازل الطبيعية ولم تكن الغزوات بين القبائل إلا لأغراض حيوية كألولوج لمراعي خصبة أو نهب مئونة غذائية وأسر النساء كقوى منتجة للنسل والخدمة المستقرة وكانت النساء هن من أخترعوا الطواطم أثناء المكوث للمخاض وإرضاع المواليد وتمونت على هذا النحو القرى وأتت الزراعة لتجعل عمل الأسرى ينتج فائض بعد أن كانوا يُقتلون في مراحل سابقة وتوسع عمل العبيد شكل دوافع أكثر للغزو وتكوين إمبراطويات متعددة الأعراق مما خلق إمكانية لهويات أوسع القبائلية لكن بقيت الهوية العامة السائدة هوية للطبقة الحاكمة من المُلاك والمحاربين ذلك لإن الهيمنة الثقافية لم تكن تمتلك ذلك الحين الوسائل للإنتشار ضمن إقتصاد طبيعي مكتفي وليس إقتصاد تبادل سلعي ونقدي واسع فبقيت الوحدات الريفية المكتفية ذاتيآ والتي تخضعها الحملات العسكرية عند التمرد وخاصة عند التوقف عن إمداد المركز بألموارد الإقتصادية (المكوس والضرائب)التى تتغذى منها آلته الحربية وقصوره وملاعبه وإستهلاكاته الإمبراطورية الباذخة..
من كان يعتبر نفسه روماني ليس من يسكن الإمبراطورية بل من يشارك في حكمها بينما يتموقع الرعية في هويات محلية تمارس طقوسها وهي مستترة وهذا يفسر لحد كبير بزوغ المسيحية كهوية ودين شعبي وممارسة طقوسية حتى تبناها الإمبراطور(چوليان المرتد) لتصبح ديانة الإمبراطورية الرومانية. تنتشر عبرها ! مصير الإمبراطورية المجرية-النمساوية التى كانت تجمع موازيك ثقافي وديني لشعوب وأقوام خاضعة حربيآ ومختلفة ثقافيآ عن رأس الإمبراطورية في فيينا يأتي تفككها اللاحق ليظهر على المسرح قوميات وثقافات قومية مقموعة ولم تندثر كما الحال مع الخلافة العثمانية في ذات المرحلة. تشكل الإقطاع من الغزو الذي تولته تجمعات محاربة لقبائل بدائية لتستولي على مراكز الحضارة في العصور الوسطى (الچيرمان-المغول-العثمانيين) وتندمج في ثقافات ودينات الشعوب المغلوبة وكانت التجارة الدولية في أواخر العصور الوسطى وتواكب معها بعثات التبشير كعنصر هام فى توسع التأثير الثقافي-الديني في شعوب بعيدة عن المراكز الإستعمارية وكذلك كان للتجارة تأثير كبير في إنتشار الإسلام في وسط آسيا !Aculturation “التبديل الثقافي” لايحدث فجأة وبضربة واحدة لكنه عملية تاريخية من التأثر ورد الفعل إذ يبدأ بتبني شريحة اجتماعية مميزة من المتعاونين مع الغزاة ويتحولوا هم أنفسهم لمساعدين له في الإدارة وتحصيل الضرائب بالاساس ويبدأ بتسرب المفاهيم المستخدثة داخل بقية شرائح المجتمع خلال الممارسة الاجتماعية الإدارية والدينية والإقتصادية وكما عبر عبد الرحمن أبن خلدون(تقوم الأقوام المغلوبة بتبني عقدة وشريعة الغالبين) لكنه ليس قانون عام لأنه يشترط أن الغَالبين يحوذون ثقافة متماكسة وهذا لم يكن الوضع التاريخي ويفسر بقاء العديد من الثقافات الأصلية في مناطق في وسط آسيا كألأكراد والأرمن والزيديين والمارون في شرقها والعديد من الديانات الطوطمية في أفريقيا جنوب الصحراء !هناك عمليات تهجين ثقافي مرت بها كل المجتمعات التى تعرضت للغزو سواء الحربي أو الإقتصادي ويمكن ملاحظة ذلك في أمريكا الجنوبية التى دخلتها المسيحية بألغزو الأسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) ولكنها تهجنت مع ثقافة أصلية” أزتيكية” في المكسيك وحولها مما أنتج طقوسية مسيحية متنوعة. إنتشار الإسلام بدوره في فارس ومصر وشمال أفريقيا تهجن مع عقائد أصلية أنتجت التشيع الإيراني وتقاليد وتيارات المتصوفة في شمال أفريقيا والأولياء المصريين.
الإنتقال الحاسم هو الرأسمالية مع الإنتاج السلعي المعمم والذي أبتدأ في الجزيرة الواقعة في شمال أوربا (بريطانيا) وأنتقل لأمريكا الشمالية لكى يؤسس مايسموه ”العالم الجديد“ الأنجلو ساكسوني الذي لم يتحقق إلا عبر إفناء كامل للشعوب الأصلية ماديآ وثقافيآ لكن إستجلاب العبيد من أفريقيا للشقاء في مزارع القطن في الجنوب والخدمة المنزلية أوجد أقلية عرقية أنتجت في النهاية مزيج ثقافي هو الأفروأمريكانية أنتجت الچاز والغناء والإستعراض وفي المنافسات الرياضية(كرة السلة وكرة القدم الأمريكية والتنس والألعاب الأولمبية) وهي مجالات ذات أثر ثقافي كبير، وكذلك أتت الهجرات من أمريكا الجنوبية أنتجت مزيج آخر هو الهيسبانية وهي فى حالات توافق مع الإزدهار الإقتصادي وحالات تتازع ومواجهات في الأزمات وتشكل سياسات الهجرة لإدارة ترامب عملية واسعة وعنصرية لإستدامة سيطرة الواسب على مجربات الحكم والثقافة الأمريكية الهجينة.
هناك على الأقل أربعة أجيال من المهاجرين المسلمين من شمال أفريقيا مندمجين ويعيشون في غرب أوربا حاملين عناصر من مواريثهم الثقافية وهناك موجات هجرة أسيوية متتابعة من آسيا وعلى الأخص من الصين والهند والهند الصينية شكلت جاليات فى العديد من المدن الكبرى في الولايات المتحدة وأوربا وشكل وكودها عمليات تهجين ثقافي كبيرة ويكفي متابعة الإنتخابات المحلية فى السنوات الماضية للتعرف على آثارها..عمدة لندن وعمدة نيو يورك وعمدة أكبر ضواحي باريس (سان دينيس) من أصول مهاجرة!هذه العملية التاريخية نتج عنها تهجين ثقافي فى أوربا وأمريكا الشماليه لايمكن إنكاره ويشكل إثراء كبير للثقافة الغربية وليس العكس كما يدعى العنصريون. الحدث الأهم في القرنين التاسع عشر والعشرين كان بزوغ نمط الأنتاج الرسمالي وهيمنته وعلى قمته المملكة المتحدة التى توسعت إمبراطوريتها لتمتد في غالبية العالم ولتصبح الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس وتمتد بواسطتها الثقافة الأنجليكانية واللغة التى تحملها الإنجليزية وجمدت بريطانيا تناقضاتها الثقافية الداخلية بمساعدة النهب الإستعماري الذي ورثته عنها ووسعته ربيبتها الولايات المتحدة الأمريكية والتى تطورت فيها أدوات ثقافية جماهيرية جبارة بألأخص في السينما والغناء والموسيقى والتى تشتمل محتوى للهيمنة الثقافية المتسعة عبر العالم شرقه وغربه وتواكب ذلك مع إختراع الراديو والتليفريون لكى تتحق مقولة مجتمعات الإستعراض spectacle كما تتبأ بها “چي ديبور” و”كاستوريادس”!
أدت العولمة التي تبلورت خلال قرنين من الحضارة الرأسمالية ووصلت لذروتها بنهاية القرن العشرين بتعميم التجارة الدولية ووسائل الإتصال الرقمية إلى هزة ثقافية غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية والتي عرفت إمبراطوريات متعددة العروق والألسنة والديانات ضمن هييمنة حربية وإقتصادية بألأساس تحولت تدريجيآ إلى سيادة ثقافية ودينية والوضع الحالي من الإضطرابات العرقية والثقافية هي ذات جذور إقتصادية وإجتماعية لا تخلو تعبيراتها من هذا التَذرر الثقافي الذي لم ينتج فقط عن العولمة والتى لم تكن من نتاج مؤامرة دولية سياسية بل ناتج طبيعي ومتوقع للرأسمالية المتأخرة Late capitalism !وهي ليس من المتوقع أن تكون الطور الأخير ثورة العلم التقني techno-science (بحسب” چاك دريدا”) كانت بداياتها بألسماوات المفتوحة وأحهزة الاتصال الرقمي وأخيرآ الذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية الشاملة وهو أمر يقترب من كوابيس “لورانس داريل” في روايتي” 1980” و”حديقة الحيوان” !
وهي أوضاع غير مسبوقة للسيطرة الثقافية الشاملة التى تديرها شركات تبني مراكز للمعلومات وسحابة معلوماتية تضم وتستغل كل المكونات الثقافية الحالية والتاريخية! نشهد عملية واسعة للتذرر الثقافي مع هيمنة ثقافة الإستعراض العالمية بما تشمله من مرئيات صوتيه وصور وإحتفالات ومسابقات كونية فنية ورياضية يشاهدها مئات الملايين في كل لحظة وتديرها شركات عملاقة ورؤوس أموال ترليولنية وتدير حكومات لدول كبرى تكفل لها الحماية والتوسع المستمر مع الإستهلاك الشامل لسلع بدأت بألكوكاكولا والچينز وسينما الغرب الأمريكي والروك أند رول وهى الآن الآيفون وتطبيقات الذكاء الإصطناعي. الوضع “المابعد حداثي” بمشتملاته السعيدة والمؤلمة لايمكن رفضه ببساطة لأنه ناتج موضوعي من تطور علمي وتكنولوچي وليس فقط من سياسات ودول تستفيد منه، وبألإمكان التعامل معه بإسترتيجية للإندماج الإيجابي والنقدي لابد لها من توفر روافع إقتصادية لها وهو الأمر الذي تقوم به جمهورية الصين الشعبية باقتصادها السلعي الجبار وتقدمها في التكنولوچيا الرقمية ومازال الوقت مبكرآ للتأكد من نجاحها في تجاوز الهيمنه الغربية الثقافية. بيمنا نافح الراحل “إدوارد سعيد” في كتابيه العُمَد “الإستشراق“ و”الثقافة والإمبريالية أن صورة ثقافة الشرق (وبألأخص العربي والإسلامي) هى مواكبة جانبية لمشروع الإستعمار وليس منتج بحثي موضوعي وأن صورة الشرق تشكلت هكذا في العقلية الغربية لكي تواكب الغزو الحربي والإقتصادي وهي صورة غير علمية مضللة لاتُعبر عن الحالة الثقافية للشعوب المستعمرة قبل وأثناء وبعد الغزو . بما يخص الشرق العربي والإسلامي على الطرف الآخر نافح العديد من المستشرقين “مونتجري وات” و”جرونباوم” و”برنارد لويس” عن تبديل (aculturatin) هذه الثقافات لكي تُلائم” الحضارة الحديثة” أي الرأسمالية الإمبريالية ويعتبرونها ذات أصول وتحولات دينية (ماكس ڤيبر وآخرين) واكبت نمط الإنتاج ذاته!العديد من المثقفين العرب والمسلمين “التنويريين” يدافعون عن المنحى الأخير دون إعتبار للتاريخ المتجذر والممتد طوال قرون والإنجازات الكبرى الدينية واللغوية والمعمارية التى كونت روح شعوب الشرق ويقف في المنتصف “العميد طه حسين” فى “مستقبل الثقافة في مصر” ثقافة بحر متوسط (شرق أوسطية) ذات تأثر بألأغريقية وكذلك عميقة الجذور الإسلامية !
وهو الموقف الأقرب لبرچوازية مصرية ناشئة ومحافظة وذات طموحات لمجال ثقافي وإقتصادي يمتد من المحيط للخليج (عربي-إسلامي) في القرن العشرين! يبدو موقف “طه حسين” هو الأكثر معقولية وملائمة تطورية إيجابية من موقف منتقديه من اليسار وعلى الأخص الكتاب المشرك للراحلين المرموقين ”عبد العظيم أنيس“ و”محمود العالم” المنطلقين من تيارات أيديلوچية كانت حاضرة في الصراع خلال بدايات ومنتصف القرن العشرين بوجود وعود القطب السوڤياتي والعالم الثالث وثقافاته المتنوعة. تقول الأسطورة القديمة أن اللغة كانت واحدة في “بابل” الذي سكنتها الشعوب الأولي وعندما تحطم برج بابل أختلفت لغاتهم وأشتبكوا في صراعات ثقافية بطول التاريخ المديد!لكن تاريخ العوالم الثقافية لايمكن تفسيره بأسطورة قديمة وبدائية لكن متابعته وفق تطور العلوم والفنون والمجتمعات التى تظل لديها قدرات غير محسوسة للمقاومة والإزدهار والتطور العضوي الخاص بها ف”ألسلام الروماني” لم يتحقق قط وكذا السلام الأمريكي لن يتحقق أبدآ إلا في صورة كارثة كونية غير مفترضة وعلى الأخص لايمكن التفكير بها على الأقل في المدى المتوسط من المستقبل والذي لايمكن التنبؤ به.



