* حسني عبد الرحيم
عُرضت مسرحية “القط” -مع ترجمة عربية وأنقليزية- لفرقة “عليا ارت” على مدار سهرتين يومي 17-18 أفريل في فضاء التياترو بحضور جمهور نوعي متميز، وهي قراءة عميقة لمظهر واضح من الحياة الأسرية المعاصرة في الطبقات الوسطى والعليا، مرافقتهم لحيوان منزلي كلب أو قط. طبعا الرعاة والمزارعون يلازمهم الكلب للدفاع عن القطيع وتخويف الذئاب المفترسة والنباح عندما يأتي اللصوص وكانت ربات البيوت يحتفظن بقط ليصطاد الفئران في المنازل. وكانت فقط الأرستقراطية تحتفظ بكلاب الصيد وفي القصور تتلهى النساء بقطّ مدلل تحملنه في الحفلات. لكن في المجتمع الحديث والمعاصر الحيوانات المنزلية أصبحت منتشرة في منازل كل الطبقات الاجتماعية وهي تشير إلى نوعية ومكانة مربيهم. نوع القط أو الكلب المنزلي يشير الى المنزلة الاجتماعية لمربّيه وأسياده. الحيوانات الأليفة كانت في الماضي الزراعي والرعوي جزء من عملية الإنتاج. الحيوانات المنزلية الحديثة هي طفيلية بالمعيشة ولكن دورها في التعويض العاطفي جوهري في زمن صارت فيه العواطف الحميمية في اضمحلال مستمر. حتى صار لها دور سياسي… فرئيس الولايات المتحدة لابدّ أن يصطحب معه كلبه المدلل عندما يسكن “البيت الأبيض” للمرة الأولى. ومؤخرا قام “ترامب” بالتشهير بالمهاجرين بأنهم يسرقون الحيوانات المنزلية من المواطنين الشرعيين ليأكلوها.
هذا موضوع ثري للدراسات الاجتماعية والنفسية للاسر البرجوازية المعاصرة وتحولاتها.ويمكن التعرف على شموليته بالمشاهدة -عند الغروب- لحدائق البلفدير حين يتحول المشهد لأناس غالبا مسالمين وعزاب من مختلف الأعمار يتنزهون مع حيواناتهم الأليفة بمحبة وصدق عاطفي مثير. كذلك في مشاهدة المتاجر الكبرى حيث هناك أرفف مخصّصة لغذاء القطط والكلاب الأليفة.
عن رواية فرنسية ل”جورج سيمنون” اقتبست المخرجة نادرة عاشور سياقا مسرحيا مثيرا لزوج وزوجة (وهما الممثلان بثينة فرشيو وأمين الله الغزال) من الطبقة الوسطى كانا متحابين ومع مرور السنين انتهى الغرام وهما دون أطفال لرعايتهما في حالة التقاعد يبدأ الملل بينهما وتنتهي الرغبة والعاطفة… يتلهى الزوج بقراءة الصحف الساخرة “كانار انشينيه” ومراجعة تراث وصور المرحوم أبيه المناضل النقابي التي يحتفط بها ككنز بينما الزوجة عازفة البيانو السابقة تغرق في إدمان الخمرة لقد أصبحت زائدة عن الحاجة فلم تعد حبيبة لزوجها الذي وعدها في أيام الشباب بأنه سيظل حبيبها الأبدي. صار يتحدث فقط مع القط ويشاركه الفراش. وينتظران سويا مناسبات الذهاب لمجالس عزاء لزملائهم العازفين الراحلين ليلتقوا بعالمهم المفقود في الزمن الضائع.
القط المنزلي ربما يعبر بشكل واقعي ورمزي عن مأزق الحياة العائلية البرجوازية المعاصرة وخاصة عندما يكون الزوجان دون أطفال يراعونهم وتصبح المرأة عجوزا مدمنة خمور بسبب الوحدة والفراغ بينما زوجها ينام بين الحين والآخر مع عشيقة تعرفها الزوجة وتتحول الحياة بينهما إلى كابوس متكرر ومُملّ حتى يعثر الرجل على قط هائم في الشوارع ويأخذه ليتحول عشقه وانشغاله اليومي هو القط الذي ينام معه في الفراش ويتحدث معه ويراعيه في مأكله ومشربه ليصبح القط بديلا عن حياته الزوجية والعاطفية. تتضخّم الغيرة تجاه القط المسكين حتى أن الزوج يتخيل أن امراته ستطلق عليه الرصاص من مسدس أبيها القديم ليظهر العنوان في الصحف “فنانة موسيقية تقتل زوجها مدفوعة بغيرتها من عشقه لقط الشوارع”.
الاعتياد على الحياة البراح في المنزل القديم تنتهي عندما تقرر السلطات هدمه لأسباب تنظيمية وتعويضهما بشقة صغيرة في موقع جديد. ويتخيلون حياة جديدة وسعادة مستعادة والاستمتاع بمشاهدة الأشجار والبحر من خلف زجاج النوافذ المعتمة. لكنهما يقرران الانفصال فجأة ولكنهما لا يستطيعان تنفيذه لأنهما لا يعرفان مكانا آخر ليذهب كل منهما إليه٬ فيبقيان…
يجمعهما المكان ويفرقهما الزمان منتظريْن الإشارة الأخيرة للانتقال إلى عالم آخر (الموت) دون قطط أو خمور. هو عالم النسيان. مسرحية حزينة ومُعبرة عن مأزق الحياة العاطفية الزوجية المعاصرة الذي يتضح بقسوة عندما يُدرس موقع الحيوانات المنزلية الأليفة في بنيانها وهي عملية تتضمن كل طبقات المجتمع ولها دلالات اقتصادية ونفسية ذات آثار متعددة. مبحث ليس حول الأجور والأسعار وربما يكون عنوانه: «الاقتصاد السياسي والعاطفي للقطط والكلاب المنزلية الأليفة».



