نور العمر عوني
في كل مرة ينطفئ فيها الضوء فوق الخشبة, لا ينتهي العرض تماما. شيء ما يبقى معلقا في الهواء, شيء لا يمكن الإمساك به بسهولة. ربما صورة, ربما حركة, ربما صمت ممثل ظل يطارد الذاكرة بعد انتهاء التصفيق.
فالمسرح لا ينتهي عندما يسدل الستار, بل يبدأ بطريقة أخرى داخل وعي من شاهده. وهنا يظهر السؤال: أين يولد المعنى؟ هل يولد هناك, فوق الخشبة, بين جسد الممثل والفضاء والإضاءة والكلمات؟ أم أنه لا يولد إلا عندما يعبر العرض إلى ذهن المتفرج ويصطدم بتجاربه وأسئلته وذاكرته؟ لطالما حاول المسرح أن يبحث عن معنى, أو أن يمنح العالم معنى جديدا. فمنذ الطقوس الأولى التي حاول فيها الإنسان أن يفهم علاقته بالمجهول, إلى المسرح الحديث الذي وضع الإنسان أمام عزلته وقلقه وأسئلته, كان المسرح دائما محاولة لتفسير شيء لا يمكن تفسيره بالكامل: الإنسان نفسه. لكن ربما يكمن خطأ كبير في اعتقادنا أن المعنى شيء جاهز, شيء يختبئ داخل العمل وينتظر من يكتشفه. كأن المخرج يضع فكرة داخل العرض, ثم يأتي المتفرج ليأخذها كما هي. هذا التصور يجعل المسرح مجرد وسيلة نقل, ويجعل المتفرج مجرد مستقبل صامت. لكن المسرح ليس خطابا يلقى على جمهور, بل لقاء يحدث بين وجودين. فالخشبة لا تقدم معنى مكتملًا, إنها تفتح احتمالا. الممثل لا يقدم إنسانا حقيقيا, بل يخلق مساحة تجعلنا نعيد التفكير في معنى الإنسان.
الجسد فوق الخشبة لا يكون مجرد جسد يتحرك, بل يصبح ذاكرة, وتاريخا, وصراعا. حتى الصمت لا يكون غيابا للكلام, بل أحيانا يكون أكثر حضورا من الكلمات نفسها. ومع ذلك, لا يمكن القول إن المتفرج هو الذي يصنع كل شيء. فالعرض ليس مرآة فارغة يرى فيها الإنسان ما يريد فقط. هناك بناء جمالي وفكري, هناك اختيارات, هناك لغة مسرحية تقود المتلقي نحو مناطق معينة وتمنعه من مناطق أخرى. فالحرية التي يمنحها المسرح للمتفرج ليست حرية الفوضى, بل حرية التأويل. ربما المعنى يشبه الضوء; لا يوجد في المصباح وحده, ولا في العين وحدها. لا يصبح نورا إلا عندما يحدث اللقاء بينهما.
وهكذا يصبح المتفرج جزءا من العمل المسرحي, لا شاهدا خارجه. فالعرض الذي لا يجد عينا تنظر إليه, ووعيا يصطدم به, يبقى ناقصا. ليس لأن قيمته مرتبطة بتصفيق الجمهور, بل لأن المسرح في جوهره فن العلاقة. إنه لا يعيش إلا بين من يخلق ومن يستقبل. لهذا السبب قد يختلف معنى العرض من زمن إلى آخر. فمسرحية كتبت منذ قرون يمكن أن تتحدث اليوم عن أشياء لم تكن في وعي كاتبها. ليس لأن العمل تغير, بل لأن الإنسان الذي يقف أمامه تغير. كل عصر يقرأ المسرح من جرحه الخاص, ومن أسئلته الخاصة. إن المعنى ليس قبرا مغلقا داخل النص, ولا انعكاسا عابرا داخل ذهن المتفرج. إنه لحظة ولادة مستمرة. كل عرض هو بداية جديدة, وكل متفرج يمنح العمل حياة أخرى. وربما هذا هو سر المسرح: أنه لا يقدم لنا العالم كما هو, بل يجعلنا نكتشف الطريقة التي نرى بها العالم. لا يعطينا إجابات نهائية, بل يضعنا أمام الأسئلة التي كنا نحاول الهروب منها.
المسرح لا يقول لنا: هذه هي الحقيقة. بل يجعلنا نسأل: ما الذي نسميه حقيقة أصلا؟ في النهاية, لا يولد المعنى فوق الخشبة وحدها, ولا في ذهن المتفرج وحده. إنه يولد في المسافة بينهما; في تلك اللحظة الغامضة التي يتحول فيها فعل التمثيل إلى تجربة, وفعل المشاهدة إلى مشاركة, ويصبح المسرح أكثر من مجرد فن للفرجة. يصبح مكانا يلتقي فيه الإنسان بنفسه, ولو للحظة واحدة.



