
طارق الشيباني
“يا نسر إذا حاصرك الأعداء! يا نسر إذا حان لقاء الخلود! خل جبين الطائرة الفذة نحو الأرض، تماما نحو الأرض! خذ سرعتك القصوى، دمر أي مكان في العاصمة الاسرائيلية! واستشهد الله سيلقاك قبيل وصول الأرض، أو أنت وصلت احتضنتك فلسطين..”
بهذا النداء الفدائي المجلجل، لم نكن يوماً موقنين بمكان حدوثه ولا بتوقيت اندلاعه، غير أننا كنا متشبثين بيقين النصر القريب والمحتوم. هذا ما كان ينبئنا به ذلك الصوت المتحشرج، المنبعث من أشرطة الكاسيت المهربة التي كانت تصلنا من أيدي النقابيين، والتي تروّج “خلسة” في تظاهرات الاتحاد العام التونسي للشغل، ومن خلال الأصدقاء والرفاق في الحركة الطلابية؛ تلك الأشرطة التي كانت تتكفل، وحدها، بتدفئة عظامنا في ليالي الشتاء القارسة داخل ممرات المبيت الجامعي بمدينة صفاقس. هناك، في غرفة “ابن العم”، حيث كانت تتقاطع همومنا وسط نقاشات لا تنتهي، نفكك فيها الإيديولوجيا، ونسائل الفن، ونبحث عن بوصلة لأسئلة المرحلة…
كان ذلك الصوت، القادم من أقاصي الوجع العراقي والمضمخ برائحة الهيل ومرارة المنافي الممتدة، يخترق ضيق الجدران الموحشة ليشرع أمامنا جغرافيا لا متناهية من الرفض والعصيان. لم يكن مظفر النواب، بنبرته المنهكة وكلماته التي تقطر لهباً، مجرد قامة شعرية نتذوق مجازاتها؛ بل كان بالنسبة لجيلنا وثيقة ثورية، ومنشوراً سرياً صهرته الإرادة الشعبية ليغدو بياناً علنياً للتمرد. لقد كان القنطرة الصلبة التي نعبر فوقها من ضفاف اليأس والعدم، لنعانق يقين المواجهة الملحمية، حيث لا مساومة على الحق، ولا تراجع عن فكرة الخلود في ضمير الأرض.
من شرفات الأرستقراطية إلى خنادق الكادحين :
في عام 1934، وعلى ضفاف نهر دجلة في حي الكرخ العريق ببغداد، تفتحت عينا مظفر النواب على عالم يتنازعه التناقض. ولد في كنف عائلة أرستقراطية موسرة، تمتلك بيتا واسعا تطل شرفاته على النهر وتمر به المواكب والرايات في طقوسيات شعبية مهيبة. تشبعت ذاكرته البصرية والسمعية مبكرا بألوان البسط ورائحة المسك، وبعزف جده على القانون ووالدته على البيانو. غير أن هذا الإرث البورجوازي كان ملغما بتاريخ طويل من النفي والتمرد؛ فقد سبق لعائلته أن قاومت الاستعمار البريطاني في الهند، لتُنفى وتُهجر وتستقر لاحقا في العراق.
هذا الإرث من الرفض المتجذر، مضافا إليه انفتاح البيت الكرخي على محيطه الشعبي، صاغ الوعي المبكر للنواب. لم يختر الشاب أن يتقوقع في صالونات الطبقة المخملية، بل انحاز منذ يفاعته إلى الشارع. شارك في “وثبة كانون/جانفي” 1948 ضد معاهدة “بورتسموث”، وانخرط في “انتفاضة تشرين/نوفمبر” 1952. كان هذا الانحياز للشارع وللكادحين خيارا وجوديا لا يحتمل المساومة، وهو ما لخّصه لاحقا في بيته القاطع والشهير:“أنا يقتلني نصف الدّفء ونصف الموقف !”
لم يكن النواب يقبل بأنصاف الحلول. اقترب من الحزب الشيوعي العراقي وصار صديقا مقربا له قبل أن ينتمي إليه رسميا، ووجد في الماركسية أداة تحليلية ثورية، لكنه لم يقرأها كنص جامد، بل صهرها في بوتقة التراث الثوري والإنساني للمنطقة، معلنا انحيازه الفكري والطبقي بوضوح لا لبس فيه “وللماركسيِّينَ شرطَ الثَّباتِ مع الفُقَراءِ وشرطَ القيامِ بِها بالسِّلاحِ كما هي أصلاً”
سنوات الجمر: الاعتقال، سجن الحلة، والهروب الكبير
مع انقلاب 1963، دخل العراق مسارا من التصفيات السياسية التي استهدفت اليسار وقواه الحية. قاوم النواب و رفاقه بما أمكن لهم ، قبل أن يضطر للمغادرة و التخفي بزي فلاح نحو إيران. هناك، وقع في قبضة “السافاك” الإيراني، ليتعرض لتعذيب وحشي قبل أن يُسلم إلى السلطات العراقية التي حكمت عليه بالإعدام، وهو الحكم الذي خُفف لاحقا إلى السجن المؤبد.
في عتمة الزنازين، وتحديدا في سجن الحلة وسجن “نقرة السلمان” الصحراوي الرهيب، تجلت عبقرية النواب كصوت للمقهورين. هناك، حيث كانت السلطات تساوم المعتقلين على حريتهم مقابل التوقيع على وثيقة “براءة” من الحزب الشيوعي تُنشر في الصحف، كتب النواب رائعته الشعبية “البراءة”. صيغت القصيدة على لسان الأم التي تستحلف ابنها بطاهر حليبها ألا يهدم حزبا بناه بيده، وعلى لسان الأخت التي تقف أمام السجن تتحمل الشتائم، وترفض أن تُهتك تضحياتها بـ”وصلة جريدة”. أضافت هذه القصيدة ثلاث سنوات إلى حكمه، لكنها انتشرت كالنار في الهشيم، رافعة معنويات المعتقلين ومؤسسة لمرحلة جديدة من الشعر الشعبي العراقي الملتزم.
لم يكن النواب مجرد شاعر يكتب عن الحرية من خلف القضبان، بل كان يمارسها. في عام 1967، شارك في أسطورة “الهروب الكبير” من سجن الحلة. حفر مع رفاقه نفقا بطول يتجاوز 30 مترا باستخدام سكين مطبخ وخشب أسرة، في ملحمة استغرقت أقل من 40 يوما، ليخرجوا إلى النور ويعودوا إلى صفوف المقاومة وخوض حرب العصابات في أرياف الجنوب والأهوار.
جغرافيا المنفى وبوصلة القضايا الكبرى :
بعد صدور عفو عام في 1969، التقى النواب لفترة وجيزة بالقيادات الحاكمة في العراق، لقاء أثبت له أن الهوة بينه وبين السلطة لا يمكن ردمها. استخرج جواز سفره وغادر بغداد، ليطوي صفحة الإقامة في الوطن ويفتح سجل منفى طويل لم ينته إلا برحيله.
تنقل بين لبنان وسوريا، ومكث في ليبيا سبع سنوات، وسافر إلى السودان. ولم يكتفِ بالتنظير، بل عاش تجربة الكفاح المسلح؛ فقصد إريتريا ومكث مع ثوارها في الجبال ثلاثة أشهر، وذهب إلى جبهة ظفار ملتحقا بصفوف المقاومة. في كل هذه المحطات، كانت البوصلة التي لا تحيد هي “فلسطين”، التي اعتبرها معيارا ثابتا للانتماء. وفي مواجهة التخاذل ومحاولات التطبيع، أطلق صرخاته المدوية محذرا الأجيال من الاختراق الثقافي والسياسي: “إحـذر أن تُزرع إسرائيل برأسك ! حصّـن رأسك وإبدأ بسلاح أبـيض منه! هـجوم بعـد هـجوم بعد هجوم يا ولدي! لا نصر بدون هجوم أو تصبح قوّادا دوليا يا ولدي !مفهوم يا ولدي مفهوم مفهوم؟ “
هجاء السياسة وبذاءة الواقع :
تحول النواب بفعل قصائده إلى “شاعر القصيدة المهربة”. منعت الدول العربية دواوينه، فانتشرت عبر أشرطة الكاسيت والمنشورات السرية. لم يهادن السلطات، ولم يترك نظاما تخاذل عن قضايا الجماهير إلا وجلده بسوط كلماته. كان الإعلام الرسمي يحاول تجميل الهزائم، وهو ما رصده النواب بعين ساخرة واصفا تلك الآلة الدعائية بقوله:“و المذيع المسائي يلقي النفايات مبتسما.. نشيد.. فقرة من خطاب الرئيس العتيد..”
وعندما تصاعدت أصوات تلومه على استخدام مفردات “بذيئة” في شعره الهجائي، لم يتراجع، بل وضع الجميع أمام مرآة الواقع المشوه:“اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية, بعضكم سيقول بذيئة, لا بأس .. أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه”
ثنائية الوطن والحبيبة، حين تبكينا السفن:
وسط هذا الهجاء الصاخب والاشتباك السياسي الحارق، يتجلى في أدب النواب بُعد آخر غاية في الرقة والعذوبة؛ إنه ثنائية الوطن والحبيبة. لم يكن النواب شاعر حب تقليدياً يكتب للغزل العابر، بل كان حبه مكرساً للقضايا الكبرى، للشهداء المجهولين، وللناس العاديين الذين تقصدهم الرصاصة وهم واقفون في طابور الخبز. في شعره، تذوب الحدود تماماً بين ملامح المرأة وملامح الأرض، ليصبح الوجد العاطفي وجهاً آخر للانتماء السياسي.
وربما تكون قصيدته ” “مو حزن لكن حزين”” من أكثر ما كتب النواب تعبيراً عن وجع الغربة وهشاشة المنفي الفردي أمام حتمية المسار الجماعي. فحين يفارق المرء وطنه، يظن في البداية أنه يبكي فراقه، لكنه يكتشف لاحقاً أن الوطن هو الذي يبكيه، وأن الحركة الجماهيرية (السفينة) أصرت على الإبحار رغماً عن انكسارات الرموز وخيانات القباطنة:
“ما بكيتك فارقت انت السفينه وانا جايبلك بحر ..! جبتلك طوفان الحلم حلم منذور بغياب الشمس فارقت حلم الناس ومليت السفينه والسفر ؟ ما بكيتك انا بكتني السفينه ! منين ما طش الرذاذ .. تريد تبحر ! تدري نوبات السفن لو ضاق خاطرها بجبن قبطانها تسافر وحدها ! انا ما بكيتك انا بكتني السفينه !!”
منذ نُفي النواب من بلاده، ظل يحمل العراق كحبيبة أبدية في قلبه، يكتب عنها، يبكيها، ويغضب لها. ورغم قسوته الضارية في هجاء الأنظمة، كان يعرف كيف يخفض صوته حتى يصبح همساً رقيقاً يسيل عذوبة حين يلتفت إلى الحنين، وكيف يرفعه حتى يكاد يحطم السماء حين يهاجم الظلم. يتجلى هذا التناقض الوجداني البديع في منتهى البساطة والعمق حين يختزل مأساة الفقد الطويل، مستجدياً لقاءً مستحيلاً لا تتسع له سوى غواية الحلم”تعال بحلم واحسبها الك جيّه.. واكـَولن جيت”
العودة الأخيرة:
في خريف العمر، استبدّ مرض الباركنسون بجسد مظفر النواب، فاستنزف قواه وأثقل حركة القلم الذي طالما كان سيفاً مسلطاً على رقاب الأنظمة. ورغم هذا الوهن الجسدي، ظلت قصائده عصية على النسيان، محفورة في يقين الملايين كوثيقة للرفض. كابد النواب شتات المنافي رافضاً كل أشكال المساومة، ليبقى صوته الهادر بمثابة الضمير الجمعي لجيل بأكمله استعصى على الهزيمة.
وفي العشرين من مايو 2022، سكن ذلك القلب المتمرد وتوقف عن الخفقان في عزلته الباردة، ليُحمل جثمانه في رحلة العودة الأخيرة إلى بغداد. عاد أخيراً ليعانق تراب الأرض التي أُبعد عنها قسراً، ولتحط طيور أشعاره مجدداً على ضفاف دجلة حيث كانت صرخته الأولى. رحل الجسد في صمت، لكن “القصيدة المهربة” استمرت تنبض في عروق كل تواق للحرية، وكأنه يطل من شرفة الغياب الأبدي ليواسي العراق ومحبيه بهذا البوح الموجع:“مرة أخرى على شباكنا نبكي ولا شي سوى الريح وحبات من الثلج على القلب وحزن مثل أسواق العراق”



