حسني عبد الرحيم
لم يكن مقال»صامويل هنتجنتون»صدام الحضارات”في مجلة السياسة الخارجية فاتحة مناقشة واسعة حول طبيعة العالم بعد إنهيار الكتلة الشرقية وتصورات عن نهاية الصراعات الأيدلوچية بعدما كان تلميذه» فرانسيس فو كوياما «قد أصدر كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”والذي تصور فيه أن العالم بمجمله في طريقه للإستقرار في أنظمة ديموقراطية تمثيلية بعد هزيمة الفاشية ثم الشيوعية وتحول العديد من بلدان الشرق الأوربي وأمرريكا اللاتينية لبناء انظمة تمثيلية سيسود بينها التوائم والأنسجام!وهو أمر قد تخيله فلاسفة غربيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ك»أمانويل كانت» و»فردريرك هـيجل» بما يحقق سلام عالمي شامل لم يتحقق خلال القرن العشرين بصعود الفاشية وإنتصار الشيوعية في شرق أوربا وآسيا!
لم تحظى أطروحة «هنتنجنتون» في مجلة» السياسة الخارجية»و التى تحولت بعد ذلك لكتاب مرجعي بنفس العنوان لإهتمام بالغ على الرغم من ترجمتها لمعظم اللغات الحية فعالم مابعد الحربين العالميتين ساده التفاؤل الحداثي في مسيرة مظفرة للتقدم والرخاء وحرية التجارة والديموقراطية التمثيلية وحقوق الإنسان ونهاية الإستعمار والوثوق في حلول للمشكلات عبر التفاوض الإجتماعي والدولي في منظمات دولية تمثيلية!
«صامويل هتنجنتون» لم يكن فقط أستاذآ مرموقآ للعلوم السياسية في جامعة هارفارد التى تؤطر صانعي السياسة الأمريكيين بل هو لمدة خمسين عامآ البروفسير الأبرز فيها كما كان مستشارآ في عدة إدارات جمهورية وديموقراطية أي في قلب التوجه الأستراتيچي لزعامة العالم «الحُر» وهو في أطروحته يرتكز على وقائع الصراعات فى النصف الثاني من القرن العشرين بإدعاء برجماتي دونما الإرتكاز على نظام مفاهيمي للتفسير ألأيديولوچي سواء يساري أو محافظ ! كما لوكان نتيجة موضوعية لتسجيل الإتجاه الرئيسي للتحالفات في الصراعات الدولية المعاصرة.
إحتلال العراق للكويت أدى لعلمية تكوين تحالف دولي سيؤدي لإسقاط نظام البعث و لإحتلال العراق تحت دعوى حيازته على أسلحة دمار شامل لم يتأكد وجودها لكن هذا التحالف ضم بلدان عربية وإسلامية بجيوشها بجانب البلدان الغربية وكانت ذريعته الأيديلوچية هو إعادة بناء الدولة العراقية ديموقراطيآ تحت الحماية و الإدارة الأمريكية ووصاية «بريمر» وهو الأمر الذي أدى لحرب اهلية متواصلة!ظلت الأهداف المعلنة هي «الحرب على الإرهاب» بشكل عام دون ربطه بألإسلام كدين.
أدي هجوم الحادي عشر من سبتمبر على برجي التجارة العالمي والبنتاجون بطائرات مدنية غيرت مسارها بعملية قرصنة قام بها طلاب عرب ومسلمين يدرسون بالولايات المتحدة وعلى علاقة بتنظيم القاعدة في أفغانستان إلي ربط الإرهاب بألإسلام كدين!حينها بدأت حملة عسكرية بتحالف غربي على رأسه الولايات المتحدة تمخضت عن إسقاط حكم طالبان وإحتلال أفغانستان التى دخلت في حروب متصلة بين جماعات قبلية وإسلامية مسلحة فيما بينها وكذلك مع قوات إحتلال امريكية وبريطانية بالأساس!
تحولت الحرب على الإرهاب للحرب على «الإرهاب الأسلامي»كما تواكب ذلك بألتواجد المَشهدي على الساحات الإقتصادية والثقافية لبلدان البترودولار (السعودية والخليج)
وشهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين صعود الرأسمالية الصناعية والمالية في مجتمعات ليست على العقيدة الرأسمالية البروتستانتية!أولآ في اليايابان ثم النمور الأسيوية وشهدت كذلك حتى العقود الأولى من القرن الواحد والعشرين الصعود المذهل لإقتصاد رأسمالية الدولة في الصين في مجتمعات تسودها ثقافات غير بروتستانتينية كما يفترض «هنتجتون»ولم يؤدِ إنهيار الكتلة الشرقية وتأسيس رأسماليات هشة وديموقراطيات كسيحه لعالم تحكمه بشكل منفرد الإمبريالية الأنجلو ساكسونية» الديموقراطية» كما أفترض «فوكوياما «!إننا بصدد رأسمالية متعددة الرؤوس النووية و الثقافية!متعددة الثقافات والديانات ، ومن حيث أن الصراع للهيمنة على الأسواق والمواد الخام وهو حتمي وچيني فبطبيعة الرأسمالية ذاتها هو التنافس بين مكوناتها كما كان الصراع بين الرأسماليات الفاشية والليبرالية واللتان كانت ضمن المجال الثقافي المسيحي البروتستانتي كما أفترض «ماكس فيبر»(الرأسمالية والقيم البروتستانتية)!
يفترض «هينتجنتون» أن الصراع على الهيمنة سينتج عنه تحالفات جديدة ليست فقط بناءآ على مصالح إقتصادية لكن أيضآ على أساس مكونات حضارية (ثقافية) مشكلة كتل متعارضة صنفها كالاتى: الحضارة الغربية- الحضارة اللاتينية-الحضارة اليابانية-الحضارة الصينية-الحضارة الهندية-الحضارة الإسلامية-الحضارة الأرذوكسية-الحضارة الأفريقية-الحضارة البوذية! توقعاته بتجاوز الدول القومية مع تجاوز الرأسمال للحدود ليصبح عولمي وعابر للحدود القوميةوالتى نتج عنها صراعات الحربين العالميتين وماتلاهما من حروب محدودة جغرافيآ خاضتها دول قومية متحالفة!
الإفتراض الجوهري بأن التكتلات على المستوى العالمى سيحددها المكون الثقافي-الديني
بألنسبة للإسلام ككتلة فإن تحديداته أعتمدت على بحوث “برنارد لويس”كما أوضح ذلك «إدوارد سعيد”(الإستشراق -الثقافة والإمبريالية -تغطية الإسلام) ولكنها في الواقع أقرب للمستشرق (النمساوي !الأميركي) المؤثر «جوستاف فون جرونباوم»( الهوية الثقافية للإسلام)وهي تتماشي مع تصورات كثير من تيارات الإسلام السياسي الذي يرى الأمة الإسلامية متجاوزة للقوميات والطبقات! كلاهما(لويس-جرونباوم) يدعي بأن مظاهر التخلف والعنف في المجتمعات الإسلامية تعود لأسس عقائدية وهو ما فنده مفكرون آخرون مثل «چاك بيرك» و»إدوارد سعيد «(تغطية الإسلام) و «نعوم تشومسكي»!كما قام بذلك قبلهم الشيخ «محمد عبده «في مناظراته الشهيرة! الدعوة إلي إعادة تثقيف المجتمعات ذات الثقافة الإسلامية Accultraion بمعنى تمسحيها كشرط للتقدم ينفيه الصرعات الدموية طوال عدة قرون في أوربا المسيحية بين الكاثوليك والبروتستانت!والتقدم العلمي والصناعي في اليابان ثم الصين والهند دون أن يصبحا مجتمعات مسيحية بروتستانتينية وحتى مفكر نقدي كبير ( يورجن هيبرماس) لم يسلم من هذه النتيجة فيقول :»أن المدي الوحيد الذي لانستطيع تجاوزهه هو المسيحية» طبعآ هناك كثيرون عارضوا هذه النتيجة وإستدلالتها لكن التوجه الأول الذي يضم «جيب «و»لويس» و»جرونباوم» وآخرين هو الذي طبع إستراتيچيات الدول الإستعمارية كمبرر للغزو للإستيلاء موارد الشرق. كما كانت الحملات الصليبية لأهداف تجارية مغلفة بأهداف دينية ولكنها ترفع راية المسيح كغطاء لتعبئة جماهير أوربية تعاني من الفقر.
الهجرة الواسعة بفعل المجاعات والحروب الأهلية من مجتمعات ذات أغلبية سكانية تدين بالاسلام لأوربا وتحول ضواحي المدن الكبرى لضواحي مهاجرين وإنتخاب عمد من أصول إسلامية (لندن-سان دينيز-نيويورك) وممارسة الشعائر الإسلامية في المجال العام جددت مسألة الهوية الثقافية ونتج عنها أطروحات عنصرية «ألإحلال الكبير» وحركات سياسية مرتبطة بها في معظم بلدان أوربا! (رولاندكامو-إريك زامور وآخرين)
في الولايات المتحدة في إدارة «دونالد ترامب»الثانية وهيمنة المسيحية الأصولية البروتسنتينية وتدشينها لمقولة الحضارة والثقافة «اليهودية -المسيحية «وتواكب ذلك مع هيمنة الصهيونية المتطرفة في إسرائيل «نتنياهو وبن غفير» والتى أحد ممثليها السفير الأمريكي في القدس «مايك هوكابي»الذي يحلم بالقيامة( أبوكاليبس)و نهاية الزمان بتفسيره للأناجيل لإعادة ببناء الهيكل والدولة اليهودية من الفرات إلى النيل! المستشار الألماني نفسه و ممثل الأمة و الدولة المسؤولة عن الهولوكست اليهودي يتحدث عن حرب غزة بأنها «مهمة كريهة يقومون بها بألنيابة عنا جميعآ»! اليمين المنظم في حركة عالمية متسعة يتحدث بصوت واحد عن القيم الثقافية المسيحية-اليهودية وطرد المهاجرين المخالفين ثقافيآ.
خلال الحرب على غزة والتى أعقبها الحرب على إيران ولبنان أرتفعت لمدى مُرعب لهجة الحرب الدينية فأليمين الأوربي والأمريكي الجديد يلجأ مجددا لشعارات القرون الوسطى الدينية والتي أعادت إنتاجها الأوساط الأكاديمية والإستشراقية في أطروحات جامعية حديثة بينما يمتلك الغرب مؤسسات علمية وبحثية طورت وسائل غير مسبوقة للسيطرة والتدمير والتدخل في تعديل الصفات الوراثية والبيولوچية تحولت لإسلحة دمار شامل ولرقابة كونية والتغيير الثقافي ! مع العلم بأن الثقافات المختلفة لم تبق نقية فألتهجين الثقافي يشمل الغرب عبر تواجد ملايين المهاجرين في متربولات العالم المتقدم كلها ولا يمكن إجتثاث ذلك إلا لو تحول الغرب نفسه لعملية تدمير ذاتيه لحضارته الديموقراطية ! والشرق تغيرت ثقافاته من خلال التكنولوچيا الحديثة والرقمية وأصبت ثقافات مُهجنة ولا يمكن وصفها دينيآ كما كانت منذ قرنين !التفسير الديني للتاريخ لم يعد مستساغآ إلا لدى زمر مقفلة ومهووسة فألعالم المسيحي في أمريكا الجنوبية يعاني من مظاهر التهميش التى يعانيها الشرق الإسلامي أو البوذي في آسيا!إنها مسألة التطور المتفاوت والمركب كما أنتجها التاريخ الحديث للرأسمالية والإمبرياليه!
تحول إسترتيچيات الحروب الثقافية من الأكاديميات لتصبح خطابات يومية وتعبوية على لسان السياسيين. على رأس وزارة الدفاع الأمريكية (الحرب)»هيجيتس» وهو مذيع سابق في قناة فوكس اليمينية ومحارب في غزو العراق وممارس للتعذيب ويوشم على جسده رموز الحروب الصليبية ويهتف: أقتلوا المسلمين! ويستشهد بحوارات من فيلم لمخرج صهيوني أمريكي (ترانتينو )(pulb fiction)على أنها من الإنجيل ويطلب من القادة تلاوة صلوات كأنهم منطلقين لغزوة دينية مقدسة ويتلقى رئيسه البركات من واعظة مهووسة في المكتب البيضاوي .
تحولت أيدلوچية الغزو من خطاب التحديث والمدنية على النمط الأوربي لشعارات حروب دينية وإبادة ثقافية (دونالد ترامب)و عودة الشعارات الصليبية القديمة و الإجتثاث العرقي أصبحت خطر حقيقي على الحضارة في الغرب كما في الشرق !لكن الخطير في هذا الزمان هو ملكية الغرب الإمبريالي لوسائل وأدوات قادرة على الإفناء الكامل للثقافة وهذا وضع لم تواجههه البشرية من قبل كما توعد» ترامب «بإفناء حضارة وثقافة كاملة وفي قلبها الإسلام الذي عاشت معه ثقافات أخرى قرونآ من الزمان وشكل ميراث ثقافي مشترك للعالم أجمع بمسيحييه ويهوده ومُلحديه وبوذية!التاريخ الثقافي للإنسانية جمعاء.



