spot_img

ذات صلة

جمع

بعض التّجارب.. “منارات”..

شاهين السّافي بعض التّجارب تسكن سويداء القلب، فحين نخوض غمارها...

قراءة في كتاب “اخترتُ أن أكون…” لعبد الله الشرڨي

بقلم: الأسعد الواعرصدر سنة 2023 عن دار صامد كتاب...

جدل الآن والأمس في يوميات إمرأة حالمة لنجوى عمامي

رياض خليفتعتبر اليوميّات من أبرز أشكال الكتابة الذاتيّة الحميميّة،...

المُنعرج الثقافي الخطير

حسني عبد الرحيم منذ البداية كانت المجموعات البشرية لا تعيش...

بعض التّجارب.. “منارات”..

شاهين السّافي

 بعض التّجارب تسكن سويداء القلب، فحين نخوض غمارها تربطنا بها عاطفة قويّة، ونكون أسرى لها مفتونين بسحرها. هي تجارب لا تخضع لمنطق المصلحة وما يحيط بها من مزالق ومطبّات قد تفقدنا جانبا من إنسانيتنا، وتحوّلنا بشكل تدريجي إلى آلات حاسبة. هي تجارب لا نطرح حولها الكثير من الأسئلة رغم أنّها حاضنة لكلّ أسئلتنا وكلّ ما يحفّ بها من هواجس وآمال وأحلام. هي تجارب نعطيها من روحنا الكثير الكثير، ولا ننتظر منها شيئا غير الاستمرار في الوجود، ومردّ ذلك ليس خضوعًا لسلطة العادة أو لِوَلَعٍ فينا بالروتين، أبدا ليس هذا، وإنّما نحن نريد استمرارهَا لأنّها هي -في حدّ ذاتها- تمثّل بالنسبة إلينا طعنة قاتلة للروتين ولسلطة العادة، ذلك لأنّ وجودها يخرق كلّ عادة.

هي تجاربٌ يغيب فيها الزّمن العادي تماما، ليس لأنّها خلو من الحركة، بل لعلّ غياب الزّمن فيها يعود إلى شدّة حركتها فلا قدرة للزمن على مجاراتها فيتعطّل ويقف. قد تنطلق فيها وأنت شاب فإذا بالسنوات تمضي فتصير كهلا أو شيخا ربّما -وليس كلّ شيخٍ عَجُوزا- ولكنّك لا تفطن إلى الزّمن كيف سارَ بك إلاَّ حين تدقّق في المرآة فترى فعله فيك، كأن تصادف بعض التجاعيد أو ميلان الرأس من اللون الأسود إلى الأبيض، ولكنّك ستكون سعيدا بذلك البياض، ليس لأنه وقار -كما تقول بعض الأغاني والأشعار- وإنّما لأنّك ستكون على يقين أنّ العمر لمْ يمضِ في أمورٍ بلا معنى.

هي تجاربٌ تنقلك إلى عالم المعنى، فهي تعرفُ جيّدا أنّك تمقتُ اللاّمعنى -وإن كان فيه معنى- وأنّك تصبو إلى أن تكون محاربًا باحثا عن الحقيقة وساعيًا إلى اكتشاف ذاتك أكثر، فتوفّر لك كلّ أسباب البحث الرّصين المتأني وتقطع الطريق أمام رياح التسرّع والدوغمائيّة والأحكام المسبقة والمعياريّة، فهي -مثلك تماما- مولعة بالأسئلة ولكنّها لا تقدّم لك الأجوبة وإنّما هي تستمتع حين تراك لاهثا خلف أيّ إجابة عن أيّ سؤال يخطر ببالك، وكلّ لهاث من هذا الضّرب تعيشه سيجعلك تقترب من ذاتك أكثر فتغوص في أعماقها وتعيد اكتشافها، فإذا بك تظفر بقارّات مختفية فيها ما كنت لتكتشفها لو لا تلك التجربة وما وفّرته لك من أسباب.

هي تجاربٌ تبحر بك عميقا في عالم المعرفة والفكر والإبداع، فهي لا تعرف فقط أنّك مولع بذلك وإنّما تعرف كيف تزيدك من هذا الولع. فلا يكفي أن تطرح الأسئلة، بل لا يكفي أن تكون بارعا في طرح الأسئلة السليمة القويمة التي تفتح لك آفاقًا جيّدة، فهذي مرحلة مهمّة ولكنّها ستقترن فيما بعد بمدى سعة الاطّلاع، وهذه التجارب هي صنو التحفيز على المعرفة، تشدّك إلى ذلك المسار بقوّة لتصبح مثابرا في البحث والتنقيب في مصادر ومراجع مختلفة من مخطوطات وكتبٍ قديمة وحديثة ومجلات وجرائد ومواقع إلكترونيّة إلخ.. فكلّ مُؤَلَّفٍ يخدم سيرورة الظفر بالإجابات ستبحث عنه في مظانّه غير عابئ بكلّ ما يجلبه ذلك من مشقّة، بل إنّك سترى فيها لذّة تفوق كلّ وصف.

هي تجاربٌ تقبلُكَ كما أنت، دون مساحيق أو قفّازاتٍ، فلا تضع لكَ قوالب جاهزة تحذو حذوها مكرهًا، ولا “قوارب نجاةٍ” تنقلك بعيدا عمّا يخامركُ من هواجس، ولا عقبات تحول دونك وما تحبّ وما تفكّر. هي تجاربٌ لا خطوط حمراء فيها فلا سلطان عليك سوى ضميرك الإنساني، وتوثّبك الدّائم ضدّ كلّ ما يهدّد سيادة الأوطان أو ما يعبث بقيم العدل والحريّة والجمال، وهذا ما يجعلك منغمسا فيها، مقبلا غير مدبر، وأنت تفجّر طاقة الإبداع فيك محتفيًا بالجديد، وعاشقا لصورتك المتجدّدة، ومستمتعا بقدرتك الدائبة على التجديد والحياة.

هي تجاربٌ تعلّمك تدريجيّا -وأنت تخوض غمارها- ألاّ تلعنَ الظّلام، ليس محبّة فيه فهو دائما كريه، وليس كرهًا في اللعن والشتم فلَكَ أن تكون ما شئت لطيفًا أو شَتّامًا، ولكنّك ستكتشفُ أنّ ما تقوم به هو أكبر لعنةٍ تحلّ على الظّلام، أي أنّك تجعلُ منه في كلّ لحظة كائنا ملعونًا دون الحاجة إلى أنْ تلعنهُ. إنّك تسهم في خلق ضديده الذي يعاديه فلا يساوم، إنّه النور. وإنْ سوّلت لك نفسك الأمّارة باللعن أنْ تلعنه -أحيانا- فلَك ذلك حتى إن ذهبتَ بعيدا في الإقذاعِ وتخيّرت من العبارات النابية أكثرهَا شدّة وغلظة وبذاءَةً. لا بأس في ذلك طالمَا أنّك لا تكتفي بهذا، طالما أنّك تشتمهُ وأنت توقد الشّمعة.

هي تجاربٌ تذكي فيك روح المقاومة، تتعلّم منها أنّ الوقوف على الحياد هو كذبة وجريمة في آن معا، فأنت في هذه الحالة تسهم في تأبيد واقع ما وتجبن عن مشاركة قوى التجديد والتغيير في ذلك المسار الشائك العسير. ولكنّك اخترت طريق المقاومة الذي يواجه كلّ وجه من وجوه القبح في هذا العالم، ساعيا إلى تقويضه وتشييد عالم آخر خلو من كلّ يرزأ إنسانيّة الإنسان، وتعلم جيّدا أنّ الدّرب طويل وأنّك أنّ مجرّد حلقة ضمن سلسلة طويلة، ولكنّك لا تستهين أبدا بكلّ ما يُبْذَلُ في سبيل ذلك، ولا تفقد الأمل أبدا في منجز المقاومة.

هي تجاربٌ “مناراتٌ” تسلّط من خلالها الضّوء على كلّ ما يعتمل في روحك من فكر. هي أيضا “منارات” لأنّها تضيء جوانب من حياتك ومسيرتك، ولكنّك لا تجسر على القول لها “شكرا”، لأنك -كما قلنا منذ البداية- تجمعك بها عاطفة قويّة، ونستحضر الآن ما قاله الشاعر محمود درويش: ” لمْ أسمَعْ أبدا عاشقين يقولان شكرا”.

هي تجاربٌ مناراتُها تكون بين يديك وأنت تخوض غمارهَا، وستهفو نفسك إلى أن تظلّ كذلك دائما وأبدا، ولكنّك مهما أطلت المقام فيها سيأتي ذلك اليوم الذي يعلن النهاية، فلكلّ تجربة نهاية، وحينها ستكونان معا -أنت ومناراتك- بين يَدَيْ التّاريخ، ولكنّك لن تطلب الرّحمة، لأنّك تعلّمت منها أنْ تكون صارمًا قاسيًا حين يتعلّق الأمر بالعلم والمعرفة والحكمة، ليس من باب الساديّة أو المازوشيّة فما أبعدك -وما أبعدها أيضا- عن ذلك، ولكن تعرف جيّدا أنّ التجارب تتناسل من بعضها، ولا يمكن أن يحدث ذلك دون نقدٍ وتقييم، فبعض التجارب مناراتٌ تضيء ما سيأتي بعدها، ولكلّ تجربة مناراتها.    

spot_imgspot_img