spot_img

ذات صلة

جمع

مسرحية «الإنسان الرابع»

* حسني عبد الرحيم     يستهل التياترو موسمه المسرحي...

بعض التّجارب.. “منارات”..

شاهين السّافي بعض التّجارب تسكن سويداء القلب، فحين نخوض غمارها...

قراءة في كتاب “اخترتُ أن أكون…” لعبد الله الشرڨي

بقلم: الأسعد الواعرصدر سنة 2023 عن دار صامد كتاب...

جدل الآن والأمس في يوميات إمرأة حالمة لنجوى عمامي

رياض خليفتعتبر اليوميّات من أبرز أشكال الكتابة الذاتيّة الحميميّة،...

المُنعرج الثقافي الخطير

حسني عبد الرحيم منذ البداية كانت المجموعات البشرية لا تعيش...

مسرحية «الإنسان الرابع»

* حسني عبد الرحيم    

يستهل التياترو موسمه المسرحي الذي سيتضمن ستة عروض على مدار الشهور القادمة بعرض «الإنسان الرابع» تم تقديمه بنهاية شهر مارس ولمدة ثلاث ليال.

قبل العرض من ثلاثة فصول يقابلنا على الركح موسيقى للأوبرا الإيطالية «لاترافياتا» (المرأة الساقطة) مصحوبا بعرض من «الكوميديا دي لاراتي» لعرائس من البالون ترقص باستهتار كما لو أننا في استقبال كوميديا. وتهبط على الستار كلمات قصيدة تراجيدية عن الراحلين الذين تركونا للمسرح كعزاء وحيد في عالم متشظٍّ ومضطرب ليس أمامه سوى الهروب للمسرح لبقاء إنسانيته.

(للذين رحلوا.. وتركوا فينا أثراً لا يمحى… إلى زينب، الشاذلي، رضا، بشير، بدري…وغيرهم الكثير. هذا المسرح الذي نواصله من دونكم.. ليس فضاءً للترفيه، ولا استعراضاً، ولا ترفاً. إنه فعلُ دفاعٍ مشروع عن النفس… طريقةٌ للنجاة. العالم الذي تركتموه خلفكم لم يعد جديراً بكم. نحن نسير على خطى الضحايا، بينما تحتفي الشاشات بالجلادين. الكراهية تُنظّم، والحرب تُباع، والحرية تُروى كأنها حدوتة للأطفال. لم يتبقَّ شيءٌ تقريباً، إلا هذا المسرح. المنعكس الأخير. الملاذ الأخير.والدليل الأخير على أننا ما زلنا نشعر، وعلى ما يجعل منا، حتى الآن، كائنات بشرية)     (توفيق الجبالي)

يدخل توفيق العقد التاسع (82 عام) بخيال يشكل ملجأه الوحيد ومدونته الشخصية، وهو لا يفعل هذا إلا في عالم متشظٍّ للإنسان الرابع الذي حسب تاريخه مضى عليه ثلاثة مراحل من الصيد إلى الرعي والزراعة إلى المكْكنة ليُسحق في تروسها التى تحوله إلى عبد كامل الصلاحية ومُدرك لمأساته بالوعي واللغة العاجزة عن تمام الإدراك. ثم المرحلة الرابعة وربما الأخيرة كخاتمة للإنسان والواقع الذي يصير افتراضيا والذي كان يعيشه كيفما كان بوعي مشوه ليأتي الذكاء الصناعي ليستبدله كليا كفاعل وواعٍ بألعالم كي يصير مسخ «روبوت» تتحكم فيه فيضانات المعلومات المتضاربة على تليفونه الذكي والمخزونة في مراكز متباعدة يسيطر عليها من يملكون الخوارزميات والبردايغمات في كودات من صناعه تنفي نفسها باستمرار، كي يستحيل فهمه حتى على إله قديم بعمر العام المنقضي قبل حلول الحديد الذي ينفي وجوده ذاتيا.

بين حكايات السلاطين كان يتحول العالم وانتهت تلك الحكايات الكبرى (الحرية والتقدم المساواة) فالعالم الجديد شذرات متقاطعة ولا تنتظم في سردية متماسكة فقد رحل التماسك كما المنطق القديم ولم يحل محله اي منطق.

انحسار التركيز هو المظهر الجديد للوجود اللاموجود الذي هو فضاء متعالٍ دون ألوهية.

تُوجد على الركح أربعة نساء يحكين شذرات عن «البراكاج» والإهانات من رجال وبينهم عوازل زجاجية ويلبسون أقنعه مشوهة ويُلبسون الرجل المهُرج قناعا مخيفا من خلف الحائط ليصبح متحدثا كسلطة بألكلام ثم بالإشارات. لينتهى الأمر بقتله الافتراضي والبصق على جثمانه الذي يعود ليحيا من جديد. هذا شظية تتقاطع من «براكاجات» عالمية بطائرات على الهواء مباشرة يُقتل خلالها آلاف النساء والأطفال وتُهدم مدن وحضارات ليبقى الإنسان الآلي يمرح في الكون. الذاكرة المقمُوعة تحفظها نساء مقهورات كي يظل هناك مخرج ممكن بالحكايات القديمة كالإنسان. هُن يتناوبن على الظهور والاختفاء بتحركات عصبية ورقص هستيري ومدفوعات إلى الانتقام والقتل الجماعي المريع. لكن وجودهن بملابسهن المُبهجة بألوانها المَرحه من العالم القديم يمل يوتوبيا تتناقض مع عالم الروبوت الصناعي بأضوائه المزعجة والثانية ذاتيا كمصير محتوم.

يدخل «توفيق» لمقدمة الركح ثلاث مرات مرة كإله لا يفهم ماذا يجري لمخلوقاته ومرة بقناع مُهرج واضعا قناع التخفي وينزعه ومرة ثانية كمقدم للعرض بفصوله الثلاث ويحمل رأسين لبهيمتين ثم مصباح المعرفة كدليل أمام وخلف ممثليه أو شعبه المُفترض.

لم يهدف الجبالي إلى صنع نص ولا تقديم مسرحية متسقة من البداية إلى  النهاية بل شذرات متقابلة لواقع يعيشه ونعيشه لم يعد مكانا للتفكير المترابط بل تشظٍّ للخبرة والانفعالات. لكنه وهو يقف ليقدمه يبقى لديه حلم قديم افتراضي للنجاة بالفن. بينما تخرج ممثلاثه من خلف الحوائط الزجاجية ليتحدثن إلى  جمهورهم مباشرةً ودون أقنعة.

العرض ليس عصيًّا على الإدراك المشهدي دون انتظار رسالة متماسكة هو مثير للقلق والانتظار لما قد يأتي أو لا يأتي.

المشاركات والمشاركون في التمثيل سرور، ياسمين، مهدي، سليمة، أمينة، أروى وهادي، للريجي صبري وزيدان والإضاءة وليد حصير في الصوت والصورة. وبسمة للملابس التي لعبت دورا جوهريا.

spot_imgspot_img