spot_img

ذات صلة

جمع

عندما يُخطَفُ “مَجلِس السلام” مِن أجْلِ غَزّة، ويُقصى عن سَببِ وُجُودِه!

الشاعر: هادي دانيال ما أن اعتمَدَ مَجلِسُ الأمن التابع لمنظمة...

محاكمة ذئب واقع المحاكمات و آفاق الظلم

طارق العمراويضمن سلسلة"حكايات السمر" والطفل يكتب للطفل قصة" محاكمة...

العلم والتقنية والديانات والأيدلوجيا

حسني عبد الرحيمدشنت اختراعات الروبوتات والذكاء الصناعي مناقشة عالمية...

قرب الخيمة تحت الغيمة سحر الخيال ولعبة المدن

بقلم: طارق العمراويصدر للقاصة اسراء كلش "قرب الخيمة تحت...

مستويات الخطاب الواصف في “أصوات عالية في الطريق إلى الشمال ” لهيام الفرشيشي

بقلم: رياض خليف أصبح الصوت النقدي الداخلي في الرواية العربية...

مستويات الخطاب الواصف في “أصوات عالية في الطريق إلى الشمال ” لهيام الفرشيشي

بقلم: رياض خليف

أصبح الصوت النقدي الداخلي في الرواية العربية المعاصرة يتمدّد ويحوز مساحات أهمّ وأكثر تنوّعا، خارجا بنا عن المظاهر الميتالغوية البسيطة التي كانت تلتفت إلى ذات المؤلف أو ألفاظه، طارحة بعض التفسيرات والّإشارات. فلقد صار هذا الصوت محلقا مع صوت الحكي، معلقا على الحكاية ومندمجا في فعالياتها، مرتبطا بها سرديا. فنحن مع لعبة محو حدود بين الصوت الداخلي النقدي الذي يمثل الكاتب من جهة وأصوات الشخصيات الوهمية المتخيلة…

على هذا النحو يظهر هذا الصوت في رواية الطريق إلى الشمال لهيام الفرشيشي، حينا تحت راية المؤلفة في العناوين والإهداء، وأحيانا على لسان السارد التخييلي، متابعا لعبة الحكاية ومتحملا أمانة المؤلف القابع خارج العمل.

1 خطاب التعاقد:

يظهر الصوت النقدي الداخلي منذ البداية، ولعلنا نلتفت إلى خطاب التعاقد في البداية، وهو خطاب عقد بين المؤلف وقرائه كثيرا ما تلوح خطوطه الكبرى في العتبات. ويمكن الظفر بشيء من هذا العقد بين هيام الفرشيشي وقرائها، فإذا الإهداء يوحي بالرحلة التي يلوح بها العنوان (الطريق إلى الشمال)، فثمة تكامل وتظافر بين العنوان والإهداء فهو أيضا لم يخل من التلويح برحلة ما، فلم يخل من استعمال معاجم السفر والرحيل…

” مسالك السير في طريق ملتو أدخلتني ردهات وسراديب وتعرجات روايتها…”

ويحدّد هذا الإهداء الوجهة فهي ” قرية جبلية يشقها الوادي كجرح عميق … ويمتد البحر في شريطها الشمالي…”

إنّ عتبة الإهداء في هذه الرّواية تكشف شيئا عما تحمله المؤلفة للقارئ في هذا العمل، فهي تلخص سير الرواية ومكانها وتزيل بعض الغموض عن العنوان وتكشف أسراره.

هذا الخطاب التعاقدي يتجاوز الإعلان عن بعض خصائص النص الروائي وفك شفرة حكايته ولكنه يلوح في التلخيص المسبق للعمل فهو محيل على رحلة، فنحن ننتظر في المتن رحلة تقوم بها الساردة ملاحقة لشخصياتها إلى قرية جبلية في الشمال التونسي…

إنّ العتبات عموما أقرب إلى صوت المؤلف المباشر، لذلك فالعنوان والإهداء يتبعان صوت المؤلف، ولكن جانبا من الخطاب الواصف يرد على لسان السارد، وقد ينقلب دور هذا السارد فيصبح متحدثا عن المؤلف وعملية الكتابة فالسارد يواصل مهام السرد والحكي ولكنه لا يخرس اللسان الميتا روائي، لسان الخطاب الواصف، خطاب التعليق وهو عادة خطاب الكاتب يرد على لسان السارد وهو ما تتعدد مظاهره في هذه الرواية.

2 خطاب الساردة أم المؤلفة؟

في هذا المستوى يقدم المتن إضاءات خارج الحكاية السردية تصبح الساردة نفسها محور الحكي.فالأمر يتعلق بعملية السرد وما يتصل بها من تخييل ومن ظروف وترتيبات.

2-1الرحلة نحو الحكاية

تخوض الساردة رحلة نحو الحكاية وأرضها، لها بداية ونهاية ولذلك يمكن تقسيم الرواية إلى رحلة وما بعد الرحلة وعودة وقد اهتم السارد يهذه المحطات مختلفة متابعا بذلك الرحلة وعملية الكتابة والتفكير في النص وتخيله، فالسارد يهتك أسرار لعبة التخييل ويصور تشكيل الرواية في ذهن المؤلفة فليست الرحلة غير تخييل روائي ومطاردة ذهنية للشخصيات وعوالمها.

ولعل أبرز الصور التي تنكشف في هذا المجال صورة الساردة وهي تتنقل وتخوض رحلتها نحو شخصياتها والفضاء الروائي الذي اختارته، فنجد حديثا عن الدعوة التي تلقتها وسبب قبولها” ربما لهذا السبب قبلت الدعوة لأسلك الطريق إلى الشمال…”

وتقابلنا صورة الساردة وهي تتحرك وتتنقل مرات عديدة على غرار انتقالها إلى حوش خيرة:

” تركت السيارة في مدخل الغابة وسلكت المدخل الترابي الضيق الذي تحيط به أشجار السرو من الجهتين ثم صعدت في مرتفع يؤدي إلى حوش خيرة…”

وتظهر في هذا المستوى من مستويات الخطاب الميتاروائي صورة طريفة في مرحلة الكتابة والتفكير في النص وهي مرحلة ما بعد الرحلة والعودة إلى غرفة الكتابة فإلى جانب صورة السارد وهو يرتب روايته تخترق الكاتبة الحجب بين السارد المتخيل وشخصياته المتخيلة ليجمعهم جميعا لقاء جديد في بيت الكاتبة وليس في مكان إقامة الشخصيات الذي رحلت إليها الساردة.

2-2 الساردة ترتب روايتها

تتجلى هذه الصورة بعد العودة في مظاهر مختلفة… فهاهي تختلي بنفسها لتعيد تذمر حكايات الرحلة:

خلوت إلى نفسي في غرفتي أحاول الرجوع إلى أوراقي وقلمي لأخط تفاصيل الرحلة إلى الجبل وما بقي منها من أصداء…” و” شعرت برغبة في توثيق ما رشح من ذاكرتي من الرحلة كي لا تضيع الحكايات وتتلاشى…”

وتظهر الساردة وقد بدأت الكتابة التلقائية دون ترتيب للأحداث:

” انغمست في الكتابة عبر حبكة تضخ الحياة في الشخصيات الرابضة في الجبل…”

وهي تتفاعل أثناء الكتابة مع هذه الشخصيات وتفكر فيها:

تتحول تلك الشخصيات إلى كائنات ملعونة تعبث بصمت الليل وتدخل علي حالة من التناقض. تتلاشى كل الصور حتى مساحة قلمي تتحول إلى شظايا ولن يحد قلمي مكانا يدفن فيه أوجاعها…”

وتصور الساردة منهجها في السرد “كنت أحاول الاستحواذ على مادة الحكاية لأـضخ رموزا بيم طياتها وأـضيف لها قوضي الحلم وأوسع قماش الأمكنة فهي أـحداث قد تقترف في ـأي مدينة أو زقاق…”

وتبدو الساردة وهي تحفظ نصوصها الورقية:

أحفظ نصوصي في أدراج الذاكرة…””

لعلنا نسجل في هذا المستوى أن الساردة تستولي على موقع المؤلفة أصلا وتفتك لها أدواتها مثل القلم والأوراق والحلم الروائي والتخييل ،/ ففي هذا المستوى تبدو الساردة قريبة من المؤلفة وهو ما يوحي بتقمصها لذاتها.

2-3 الساردة تستقبل شخصياتها

لعل من طرافة هذا الخطاب الواصف نهاية العلاقة التقليدية بين المؤلف والشخصيات فنجد الشخصيات تظهر في النهاية ، تزور الساردة المتقمصة لذات المؤلفة وتحتج عليها وتتحاور معها وتحدثها عن مصيرها بعد نهاية الرواية.

هكذا تظهر شخصية سارة: ” ذهلت حين لمحت سيارة سارة كيف وصلن في هذا الطقس الماطر وكيف عرفت عنواني؟”

وتظهر بقية الشخصيات محتجة:

“… تجمعت شخصيات الرواية في غرفة الجلوس وقد عرفت طريق المنزل… بدت في أعينهم عبارات التحدي وقالوا أني سردت قصصهم بطريقة لم ترق لهم وأنني ربما شوهت ملامح التمرد التي تسموا بها…”

خاتمة

صفوة القول إن خطاب الصوت الثاني أو الخطاب الميتاروائي يحتل مساحة هامة في هذه الرواية محاولا مساندة عمليتي السرد والكتابة والاهتمام بهما ، ولعل الرواية بهذا التشكيل المغنى بالخطاب الواصف تتحول إلى اثنين في واحد، فهي رواية الشخصيات في صراعها الروائي وما تعيشه من أحداث وتحولات ، وهي كذلك رواية المؤلف وهو يروي عمليتي التخييل والكتابة وما يمر بهما من عوامل.

على هذا النحو أضمرت الكاتبة هيام الفرشيشي حضور هذا الخطاب، لا تزويقا للنص بل لينهض بوظائف مختلفة ويحمل الكثير من الدلالات والرسائل. فهو صوت نابع من عمق معاناة الكتابة…

spot_imgspot_img