بقلم: الأسعد الواعر
صدر سنة 2023 عن دار صامد كتاب “اخترتُ أن أكون” للكاتب عبد الله الشرڨي. هو كتاب من جنس المذكرات السياسية التي تحتاجها كلّ ثقافة تريد أن تصلح أخطاءها التي ارتكبها استبدادها. يبدأ الكتاب بكلّ عفوية باستعادة لذكريات الإضرابات التلمذية بالمعهد الثانوي للذكور بالمنستير في بداية السبعينيات من القرن الماضي. لم يخشى التلاميذ حينها من طلب عقد اجتماع بالهادي عطية والي المنستير لتقديم مطالب تتعلق بتحسين ظروف الأكل والإقامة بمبيت المعهد. كان عبد الله الشرقي “الناطق ” باسم المضربين دون أن يعيّنه أحد منهم لأنّ الشبيبة كلها لم تكن تعرف مثل هذه المهمة لصغر سنّ الجميع. سنّهم لم يبلغْ بعدُ العشرين عاما ومع ذلك كان يجب مواجهة الممثل الجهوي للدولة وهو “المعروف بدهائه السياسي وحنكته وقوّة شخصيته وصرامته. ” (ص. 12) كان يجب على الطفل عبد اللّه أن ينطق وأن يتحمّل مسؤولية الكلام لتنعته السلطة بعدها بالتشويش والمعارضة ثم تطرده نهائيا من المبيت المدرسي في نوفمبر 1975.
لا يمكن لأحداث الطفولة أن لا تترك آثارَ مرورها داخل شخصية الأفراد. تحصّل الكاتب على الباكالوريا في جوان 1976 ليقع توجيهه إلى كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس. اختار في تلك الكلية أن ينضمّ إلى الشريحة الطلاببة اليسارية التي مزّقها الحزب الدستوري الحاكم منذ مؤتمر مدينة قُربة سنة 1971. يبدأ هنا وصف الكاتب لهذه اللّحظات الدقيقة من حياة اليسار التونسي في عمومه الذي لم تكن الجامعة التونسية سوى صورة عاكسة لمشهد الصراع بين رغبة التونسيين في الحرية ورغبة السلطة الفتيّة في تأبيد نفسها بالتعويل على الاستبداد. نقول دولة فتيّة لأنه لم يمض على عمر استقلالها سوى عشرون سنة، وهو تقريبا عمر الطلبة الذين تواجههم بالقمع والسجن والنفي في معتقل رجيم معتوڨ الصحراوي.
يذكُر كتاب “اخترتُ أن أكون” أنّ تجمع 2 فيفري 1972 الشهير قد جرى بكلية الحقوق بتونس وضمّ “حوالي 4000 طالب من أصل 11 ألف طالب مرسمين بالجامعات التونسية… فتم طرد واعتقال المئات من الطلبة النقابيين حوالي 900 طالب” (ص 65). كما يذكر نفس الكتاب أنّ الطلبة ما كانوا يطالبون بقلب النظام أو التآمر على أمن الدولة بل يطالبون فقط “بتحسين ظروف السكن والضغط على الإدارة للإسراع بإتمام أشغال المبيت الجامعي ابن شباط.” (ص. 61) لكن السلطة اختارت أن تقتل الفراخ وهي مازالت داخل البيض. سكن الكاتب الشرڨي في ذاك المبيت الذي بُني محاذيا للسجن المدني بصفاقس وكان الطلبة يشاهدون من غرفهم دوران المساجين داخل ساحة السجن (الآرية) ويتعاطفون معهم فيلقون لهم مثلا “علبة دخان أو قطعة خبز يابسة” (ص. 61) ولم يكونوا على علم أنّ “هداياهم” لا تصل بحكم ارتفاع جدران السجن، ما كانوا يعلمون أيضا أنّ بعضهم سيُلقَى به لاحقا داخل نفس الساحة لينتظر داخلها “علبة سجائر وقطعة خبر يابسة” تأتيانه من خارج الجدران الشاهقة. يقول الكاتب الشرڨي: “لم أكن أتخيّل… ولو للحظة أنه سيأتي يوم وأكون داخل هذه الجدران وأطمح للحصول على قطعة خبز يابسة تُلقى لي من إحدى النوافذ التي كنت أطلّ منها على ساحة السجن… أو أن أجبر على الدوران في الساحة مع المساجين وأدرك أنّ الغاية من ذلك هو تنشيط الدورة الدموية نظرا لبقاء السجين طول الوقت في غرفة السجن الضيّقة والمزدحمة.” (ص. 61)
جرى كلّ ذلك للشرڨي ولطلبة آخرين زمن حكم بورقيبة ! لكن بورقيبة لم يكن الوحيد. غادر الطالب السجن المدني بصفاقس في نوفمبر 1987 بعد انقلاب بن علي ليعود إليه سنة 1993 زمن حكم هذا الأخير ! كان عضوا في ما كان يسمّى حينها “الهياكل النقابية المؤقتة” وهي فصائل اليسار الجامعي التي لم تتمكّن بعدُ منذ فيفري 1972 من إنجاز مؤتمرها الثامن عشر و استمرّت رغم ذلك في تأمين الدفاع النقابي عن الحقوق الطلابية وإن “بصفة مؤقتة.”
لا شكّ أنّ كلّ مؤرخ لتاريخ المعارضة السياسية في تونس يحتاج بالضرورة إلى قراءة شهادات الفاعلين السياسيين فيها. كتب عبد الله الشرڨي مذكراته ليترك شهادة يوثق في طياتها ما حصل في تونس من اضطرابات كبرى في العشْريتين الحاسمتين 1970 و1980 وربما أيضا عشرية التسعينيات لأنّ تاريخ تونس لا يكتبه فقط رجال السلطة حتى إن هيمنوا، بل أيضا رجال المعارضة بوجهَييها الحزبيُ السياسي والنقابيُ الاجتماعي. طُرد الشرڨي من الجامعة التونسية ولم يُسمح له بالتسجيل فيها سنة 1979- 1980 والتحق بالديوان الوطني للتطهير إلى حين التقاعد.
لكن السجن والحرمان القاسي من التعليم لم يمنعا الكاتب “سي عبدالله” من أن يكون شخصا خلوقا جدّا مع أفراد كانوا داخل النظام الذي قمعه. من المدهش حقّا أن نراه يخصص فصلا كاملا عنوانه “أختلف معهم لأنهم كانوا رجال دولة”، يذكر فيه مثلا السيد البشير التكاري مدير ديوان وزير التعليم العالي الذي يعترف له صراحة بالجميل إذ سعى بكل طاقته إلى تمكينه من الترسيم في الجامعة بعد طرده منها، بل ويعترف بالفضل أيضا للسيد عبد العزيز بن ضياء الذي كان وزير التعليم العالي منذ عام 1979 والذي لم ينهره أبدا حتى إن لم يمكّنه من الترسيم ثانية بالجامعة !من شيم الكبار إذن أن لا يحملوا أحقادا في قلوبهم لأيّ أحد.
لكن المدهش أيضا أنّ “يساريةُ” الكاتب عبد اللّه الشرڨي لم تتوقف عند السياسة والنقابة، بل حياته الاجتماعية الشخصية كانت تقدمية جدّا بدورها. لقد ذكر لنا في طيّات كتابه “اخترتُ أن أكون” كيف كان زواجه من المناضلة “سهام” فرصة لرفض السائد والمألوف في العادات والتقاليد البالية. يذكر أنّ زواجه بمدينة لمطة بولاية المنستير قد كان فعلا فرصة التقى فيها عدد كبير من المثقفين والسياسيين التونسيين وانتظم فيها معرض للكتاب ! نعم معرض للكتب وأشرطة الموسيقى الملتزمة في زواج بين مثقفِين يساريين قرّروا بمثل تلك الممارسات تغيير عوائد الوطن البالية.
هكذا وصف عبد الله الشرڨي زواجه الثوري: ” لم يكن الزواج عاديا إذ أردتُ من خلاله القطع مع بعض التقاليد والتأسيس لمفهوم جديد للزواج يكون ثمرة علاقة حب وتفاهم بين الطرفين… كان إلغاء شيء من (عادات الزواج) خطا أحمر بالنسبة للأولياء… وبعد أن رحبتُ بالحاضرين انطلق الحفل الغنائي ليستمتع الجميع بإبداعات الرفيق نبراس شمّام عن فرقة البحث الموسيقي بقابس يشاركهم الرفيق حافظ الحلواني القائد الرمز للحركة الطلابية… تفاعل معهم الحاضرون وردّدوا أجمل أغاني الشيخ إمام ومارسيل خليفة… وتم في السهرة عرض وبيع الإصدارات الحديثة من كتب وأشرطة غنائية على غرار شريط فرقة العاشقين الفلسطينية ‘الكلام المباح’ الذي يخلّد ملحمة صمود بيروت في تلك الفترة.” (ص. ص. 127- 128.)
فهل كان غريبا إذن أن يقتحم الأمن بيت الزواج “فجر يوم من صائفة 1994” ؟
هو السؤال الذي وعد الكاتبُ عبد الله الشرڨي بالإجابة عنه في الجزء الثاني من كتابه الأنيق “اخترتُ أن أكون…”



