spot_img

ذات صلة

جمع

عندما يُخطَفُ “مَجلِس السلام” مِن أجْلِ غَزّة، ويُقصى عن سَببِ وُجُودِه!

الشاعر: هادي دانيال ما أن اعتمَدَ مَجلِسُ الأمن التابع لمنظمة...

محاكمة ذئب واقع المحاكمات و آفاق الظلم

طارق العمراويضمن سلسلة"حكايات السمر" والطفل يكتب للطفل قصة" محاكمة...

العلم والتقنية والديانات والأيدلوجيا

حسني عبد الرحيمدشنت اختراعات الروبوتات والذكاء الصناعي مناقشة عالمية...

قرب الخيمة تحت الغيمة سحر الخيال ولعبة المدن

بقلم: طارق العمراويصدر للقاصة اسراء كلش "قرب الخيمة تحت...

مستويات الخطاب الواصف في “أصوات عالية في الطريق إلى الشمال ” لهيام الفرشيشي

بقلم: رياض خليف أصبح الصوت النقدي الداخلي في الرواية العربية...

عندما يُخطَفُ “مَجلِس السلام” مِن أجْلِ غَزّة، ويُقصى عن سَببِ وُجُودِه!

الشاعر: هادي دانيال

ما أن اعتمَدَ مَجلِسُ الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة قراره رقم 2803 لتنفيذ خطّة السلام الخاصة بدعم إدارة وإعادة إعمار قِطاع غزّة وإنعاشه اقتصاديّاً في أعقاب حرب الإبادة التي شَنَّتْها قوّات الاحتلال الإسرائيليّة بدعم أمريكي سافر على الفلسطينيّين في القِطاع المذكور، حتى أفرغ الرئيسُ الأمريكي “دونالد ترامب” هذا القرار من مضمونه إفراغاً مُطلَقاً بتحويله إلى إعلان مجلِس سلْم لحلّ الصراعات وإنهاء الحروب عبْر العالَم، هذه الصراعات والحروب التي يتسبّب بها أو يشارك بها أو يقودها “دونالد ترامب” نَفْسُه، مِن فلسطين المحتلة إلى أوكرانيا ومِن اليمن إلى لبنان ومِن سوريا إلى السودان ومِن ليبيا إلى الصومال ومِن ايران إلى فنزويلا ناهيك عن تهديد “ترامب” بضمّ كندا وغرينلاند إلى الولايات المتحدة وتهديد رؤساء دُوَل كفرنسا وكوبا وكولومبيا بإطاحتهم أو خطفهم ناهيك عن إعلان عزْمه على قتْل الزعيم الإيراني علي الخامئني.

هكذا، بينما تستمر إبادة أهالي قِطاع غزّة بِتَرْكِهِم فرائس مُباحة للجوع والبرْد والمرَض حتى الموت في خِيَمٍ تَقتلِعُ الرياحُ أوتادها وتجرفها السيول إلى أن يُجْبَر مَن لم يَمُت بَعْدُ تحت وطأة هذا الأمر الواقع على إخلاء القِطاع لِشَرِكاتِ ترامب الاستثماريّة في العقارات والمنشآت السياحية والغاز إلخ.

وهذا المُنْحَرِفُ النرجسيّ “دونالد ترامب” يتصرّف الآن بمصائر البشريّة بِتلذُّذ وهو يستغلّ مَنصِبَه بالتطاوُل والتنمُّر والاعتداء على الدوَلِ الضعيفة وشُعوبها، متملّقاً في ذات الوقت الدوَلَ القويّة وزعماءها، وينقلب على البرنامجِ السياسي الذي انتخبه على أساسه الأمريكيّون، البرنامج الذي كان عنوانه “أمريكا أوّلاً” لِيُصبحَ عنوانُ السياسة الأمريكيّة الداخليّة والخارجيّة “دونالد ترامب أوّلاً” كما عبّر الكاتب الأمريكي الشهير “توماس فريدمان” بمقال له قبْل أيّام. هذا المُختَلّ نفسيّاً وعقليّاً يُعيد إلى الأذهان مَقولةَ الإمبراطور الروماني كاليغولا (الحذاء الصغير):” تذكّروا أنّ لي الحقّ بِفِعْل أيّ شيء بأيّ شخص”، وكما فعل كاليغولا عندما عَيّنَ حصانه “أنستاتوس” قنصُلاً في مجلس الشيوخ الروماني، فقد عيّنَ “ترامب” ذئباً بشريّاً برتبة “رئيس مؤقّت” على أشلاء الدولة السوريّة، بعد أن كانت واشنطن عيْنها إيّاها قد أدْرَجَتْه على قائمة الإرهاب وخَصَّصَت عشرة ملايين دولار ثَمَناً لرأسه.

وكما أنّ “نيرون” الإمبراطور الروماني الآخَر لم يكُن أقلّ جنوناً مِن عَمّه كاليغولا، عندما حَرَقَ روما مِن أجْل إعادةِ بِنائها بما يتّفِقُ مع تَصوُّرِه الجمالي العمراني كَوْنَهُ شاعراً وموسيقيّاً فضلاً عن كَوْنِهِ سياسيّاً وعسكريّاً، فإنّ دونالد ترامب رجلَ الأعمال وسمسارَ العقارات شَرعَ بإدارة العالَم، وليس الولايات المتحدة الأمريكيّة فقط، باستخدام القوة العسكرية الأمريكية لفرض صفقات عبْر العالم لصالح شركات ومصالح “دونالد ترامب” وعائلته التي رَهَنَت مُستقبَلَها بخدمة الأطماع الصهيونيّة وتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وفي هذا السياق اعترفَ ترامب في رئاسته الأولى بالقدس “عاصمة أبَدِيّة” للكِيان الصهيوني ونَقَلَ السفارة الأمريكية إليها، كما اعترَفَ بِضَمِّ الجولان السوري إلى هذا الكِيان، وأدخَلَ الإرهابيَّ “أبا محمّد الجولاني” إلى قصر الرئاسة بدمشق ليكونَ أكرَمَ مِن “حاتم الطائي” مع تل أبيب فيعطي الإسرائيليّين أضعافَ ما كانوا يَسعَون إليه، على حدّ تعبير “بنيامين نتنياهو” مؤخراً.

لم تَقتَصِر هِباتُ الجولاني للكِيان الصهيوني على تقديم متعلّقات الجاسوس الإسرائيلي” إيلي كوهين” الذي أعدِمَ شنقاً بساحة المرجة سنة ،1965 وعلى تسليم رفات جنودٍ صهاينة كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة تحتفظ بها على الأراضي السورية، أو على إصدار قرار بِمَنْعِ دُخُول الفلسطينيّين الذين لا يحملون وثائق سورية إلى الأراضي السورية إلّا بموافقات أمنيّة مُسبَقة مَشروطة بِوُجُود كفيل سوري لأيّ فلسطيني يرغب بدخول سورية، بل جاوَزَتْ هِباتُ زعيمِ “هيئة تحرير الشام” الحاصل على دورات قِياديّة سابقة بتنظيميّ القاعدة وداعش وجبهة النصرة، جاوَزَتْ حُلمَ “نتنياهو” إلى إنجازٍ لا يقلّ أهميّة عن ما حققته المُخابراتُ الأمريكية CIAعندما صرفت 2مليار دولار على وسائل إعلام عربية لِنَزْعِ صِفَة “العدوّ” في العقل الجمْعي العربي عن “إسرائيل” وخَلْعَ هذه الصفة على “إيران”، حسب موقع ويكيليكس.

أعني بهذا الإنجاز الناجم عن تسليم دفة حكْم دمشق للفصائل الإرهابية المنضوية تحت مُسَمّى “هيئة تحرير الشام” بقيادة أبو محمد الجولاني، هذا التسليم الذي عدّه أحد قادة حركة “حماس” المدعو “خالد مشعل” تحريراً احتفى به قائلا “تحرُّر سوريا مُبَشِّرٌ لنا بتحرير غزّة والقدس وكلّ فلسطين”، أعني أنّ “بنيامين نتنياهو” التَقَطَ بهذا التسليم ضالّته إلى ما يؤرّقه، وهو إيجاد مُبرّر لجرائم حرْب الإبادة والجرائم ضدّ الإنسانيّة التي ارتكبتها “إسرائيل” في قطاع غزّة.

بنيامين نتنياهو يعتقد أنّه خاض حرباً انتصر بها على سبع جبهات لكنّ الجبهة التي انكسر فيها كِيانُه هي الجبهة الأخلاقية، فالجرائم التي كان يرتكبُها جيشُ الاحتلال الإسرائيلي أمامَ كاميرات وسائل الإعلام ووسائل الاتّصال الاجتماعي أغضَبَت الرأيَ العام الغربي وأسقطت الرواية الإسرائيلية تحت أقدام ملايين المتظاهرين احتجاجا في جميع عواصم ومُدُن دُوَل العالم بما في ذلك الدوَل الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت نفْسه تَعَرَّفَت الجماهيرُ الغربيّة على السرديّة الفلسطينيّة وصَدَّقَتْها. وهذا ما يؤرّق “نتنياهو” الذي أنقذه “الجولاني” المُبارَك مِن قادة “حماس”، عندما أقدمت فصائل “هيئة تحرير الشام” على ارتكاب جرائم حرْب وجرائم ضدّ الإنسانيّة راحَ ضحيّتَها آلافُ السوريّين مِن “العلويّين” و”الدروز” و”المسيحيين” و”الأكراد” و “السنّة الأشاعرة والصوفيين” في الساحل السوري والسويداء وحلب وحمص وحماة ودمشق وغيْرها من الأرياف والمُدُن السورية ضاهت أحيانا ببشاعتها ما ارتكبه ويرتكبه الصهاينة ضد الفلسطينيّين، وهذا ما كان يَنتظِرُه “نتنياهو” ليسارع الإعلام الإسرائيلي، قبْلَ غيْره، إلى فضْح جرائم الجولاني وكأنّ “إسرائيل” المجرمة في غزّة والضفّة الغربيّة والقدس صارت “حاميةَ حُقوق الإنسان” في سورية، مُوجِّهةً خطابها إلى الرأي العام الغربي خاصة، ولسان حالها يقول: انظروا إلى جرائم رفاق “خالد مشعل” وغيْره من جهاديي “حماس” ضدّ السوريين من الأقليّات الدينيّة والعرقية ، هؤلاء الجهاديّون الإسلاميّون هُم الذين كانت “إسرائيل” تحاربهم في غزة منذ 7أكتوبر2023( ؟ !).

يُضاف إلى ذلك أنّ جرائم الجولاني ضدّ بقيّة مكوّنات الشعب السوري وإشاعة الكراهية والقطيعة النهائية وحدود الدم بين هذه المكوّنات أو الأقلّيّات وبين حاضنة الجولاني “الشعبيّة؟” و فكْره التكفيري الذي يَعِدّ نفْسَه أغلبيّاً، أرسى دعائمَ الانقسام عموديّاً وأفقيّاً في المجتمع السوري مِمّا يَجعل التقسيم الجغراسياسي إلى دويلات فاشلة على أسُس طائفيّة وعرْقيّة تدور في فلك دولة “إسرائيل اليهوديّة الكبرى” أمراً واقِعا سيتمّ تجسيدُه وقَوْنَنَتُه رسميّاً عاجِلاً أم آجِلاً، ووفْق مُقتضَيات الشرق الأوسط الجديد الذي بَشَّرَت بِه وزيرةُ الخارجيّة الأمريكيّة السابقة “كونداليزا رايس” سنة2006.            

و عندما قرّر ترامب انسحابَ بِلادِهِ مِن ستٍّ وستِّين منظمة دولية ، تسع وثلاثون منها تابع للأمم المتحدة، مُواصِلاً سَعيَه إلى تفكيك هذا المحفل الدولي بتوجيه ضربة قاسية إلى أهمّ مؤسسة دولية تابعة له، أعني “مجلس الأمن”، ومُحاوِلاً تَعويضَه بما يُسمّى “مجلس السلام” برئاسة دونالد ترامب وبمجلس تنفيذي مِن أتباعه على غرار صهْرِهِ “جاريد كوشنر” وسمسار الحروب “توني بلير” وغيرهما، فإنّه بذلك يُحقّق هدفاً صهيونيّاً أيضاً لأنّ “مجلس السلام” يَجعَل القرارات الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة المتعلّقة بالحقّ الفلسطيني لا معنى لها أو بحكْم المَوؤودة، خاصة وأنّ “مجلس السلام” المزعوم سيتعاطى مع المسألة الفلسطينية انطلاقا مِن مُعطيات الأمر الواقع الآن فيفصِل قِطاعَ غزّة عن أراضي الدولة الفلسطينيّة العتيدة وعاصمتها القدس الشرقيّة ويَضَع القِطاعَ مُسبَقاً تحت الوصاية الأمريكيّة، قَبْلَ الشروع بالمُفاوضات المُزمَع إجراؤها على الأراضي الأمريكيّة بين الطرَف الإسرائيلي وطرَفٍ فلسطيني. وقد تمّ سَوقُ العرب الأثرياء خاصّة إلى هذه المصيدة كي يكونوا، كما هو دأبُهُم دائماً، عرّابيّ ومموّليّ إضاعة الحقّ الفلسطيني غيْر آبِهِين بالتضحيات الفلسطينيّة على مدى قرْنٍ تقريباً لإحقاقِ هذا الحقّ.

إنّ الفلسطينيّين هُم الضحيّة الأولى المُتواصلة للمشروع الغربي – الصهيوني في المنطقة، ومُنْتَظَرٌ منهم أن يكونوا الأكثر وعياً بِحُكْم تجربة المعرفة الدامية بأنّ الدين السياسي كان دائماً يُوظَّف ضدّ مصالح الشعوب وخاصة الشعب الفلسطيني الذي تمّ توظيف المسيحيّة الصهيونيّة واليهودية الصهيونيّة والجهاديّة الإسلامويّة المتطرّفة والأنظمة التي تموّلها، لإبقاء المظلمة الفلسطينيّة الأقدم والأخطر في التاريخ المعاصر للبشرية بدون حلٍّ عادِل إلى هذه اللحظة.

وعلينا أن نتذكّر دائماً أنّ أنصارَ الحقّ الفلسطيني الفِعليّين هُم أحرار العالم من كل الشعوب والأديان والطوائف، أولئك الذين يؤمنون بأنّ “فلسطين هي روح الإنسانيّة، والانتقاص منها هو الانتقاص من الإنسانية نفْسها، واختزالها إلى وجود مُستَسلِم جاهز لِقُبُول ما لا يُقْبَل، هذا ما لن نقبله” على حدّ تعبير “مالكوم إكس” الذي كانت فلسطين جزءاً مِن معركته ضدّ الظلم والاستعمار عبْر العالم.

وأحرار العالم يمارسون حريّتهم بأن لا يدّخروا جهداً لإبقاء السرديّة الفلسطينيّة ناصعة وهّاجة في عُقول و وِجْدانات الأجيال، هذه السرديّة المكتوبة بِدِماءِ القرابين ودُمُوعِ المُعاناة وعَرَقِ النِّضال، لا تزالُ تفاصيلُها قائمة مِن جِيلٍ إلى جيل:

الجلّادون الصهاينة يتوارثون الجريمة وأدواتها، والضحايا الفلسطينيون يتوارثون الجرحَ المفتوحَ والمُقاومةَ المُكابِرَة بالقبْضِ على جَمْر الحقِّ والحقيقة، والعالم لا يزالُ قليلَ الاكتراث.

فللفلسطيني حَقٌّ على المُجتمَعِ البشري بأن يُنفِّذَ قرارات الشرعيّة والقانون الدوليّين وأن يُوقِفَ بقوّةِ القانونِ الزحفَ الاستيطانيَّ الصهيونيَّ الذي يَقضمُ الأرضَ الفلسطينيّة شبْراً إثر الآخَر، وأن يدعمَ صُمودَ الشعب الفلسطينيّ على أرضه في القدس وقطاع غزّة والضفّة الغربية، ويُجبِرَ الصهاينة على الإفراج عن الأموال الفلسطينية التي يحتجزونها كي يعرقلوا أداء السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ويجعلوا حياة الفلسطينيّين أشدّ صعوبة، وأن يُجبِرَ الكيانَ الصهيوني على سحب قوّاته من القِطاع والبَدْء بإعادة إعماره، بإدارة وطنية فلسطينية تُوَحِّد أرضَ الدولة الفلسطينية في حدود الرابع من جوان1967، فلا معنى لِمَجلِس أمْن لا يؤمِّن الأمْنَ لشعب تحت الخطر الصهيوني الداهم الدائم على مدى ثمانية عقود، ولا جدوى من “مَجلِس سلامٍ” يهرب مِن استحقاقات القرار الأممي الذي أنشئ هذا المجلِس بموجبه، ليختطِفَه “ترامب” ويُبْعِدَه عن غاية وجوده. وعلى كُلِّ حال لا سلامَ لهذا العالَم إن لم يَعمّ فلسطينَ وشعبَها أوّلاً.

spot_imgspot_img