
شاهين السّافي
في غمرة الأحداث الكبرى المزلزلة، على غرار الهبّات الشعبيّة وما يماثلها، تحدث أشياء طريفة تظلّ محلّ حديث أو تندّر -أحيانا- ردحًا من الزّمن، ولكن كلّما أخذنا مسافة زمنيّة أكبر من الحدث الكبير المزلزل كلّما غامت تلك الأشياء الطريفة وباتت إلى الغياب أقرب، وقد يختفي بعضها كليّة من الذاكرة الجماعيّة، ويطوى طيّ النسيان، وهذا في حال لمْ يحصل إعادة إنتاج لها في أشكال سرديّة فنيّة تعيد تثبيتها في الذّاكرة وتحفظها من الزّوال، ناهيك أنّها ليست ممّا يلتفتُ إليه المؤرّخ المحكوم بضوابط التاريخ كعلم له نواميسه الصّارمة.
يوم 14 جانفي 2011 هو من طينة تلك الأحداث المزلزلة. بلا شكّ، كانت الانطلاقة يوم 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد، وهي انطلاقة صنو البطولة والإقدام، ثمّ اتّسعت رقعة الاحتجاج بشكل تدريجي لتشمل كامل أرجاء البلاد، وإن كان لابدّ من “حسم” فإنّ لحظة هروب الطّاغية واستحالته من رئيس للبلاد إلى رئيس مخلوع من شعبه، تلك هي لحظة “الحسم”، وإن كنّا تمنينا لو كان هذا “الحسم” أبعد من ذلك وأشمل منه.
في ذلك اليوم وفي الأيام القليلة التي تلته عشنا أحداثا كثيرة مهمّة وبنسق سريع، وفي خضمّ كلّ ذلك عشنا أيضا “أحداثا” من نوع آخر، قد تكون ثانويّة أو حتى هامشيّة وغير مؤثّرة جزئيّا أو كليّة في عمليّة “الحسم”، ولكنّها مهمّة جدا في رمزيّتها كعلامات حقّقت قربها من الوجدان، ويمكن استحضارها في جملة من الصّور احتفظت بها الذّاكرة إلى حدود هذه اللحظة.
ثلاث نساء من بلادي..
في البداية، ثمّة ثلاثُ صورٍ نستحضرهَا الآن. ثلاثُ صورٍ من عمق ذلك الحشد العظيم أمامَ وزارة الدّاخليّة وفي كامل شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة يوم 14 جانفي 2011. الصورة الأولى هي صورة المناضلة الحقوقيّة العنيدة راضية النصراوي، وقد كانت أوّل الوافداتِ والوافدين. جاءت لتتضامن مع رفيق عمرها ودربها المناضل اليساري حمة الهمّامي، مطالبة بإطلاق سراحه وكلّ المعتقلين القابعين في أقبية وزارة الدّاخليّة. شرارةٌ هي من أطلقَتْهَا فالتحقَ جمعٌ بها وسرعانَ ما استحال إلى حشد عظيمٍ.
الصّورة الثانية هي صورة المناضلة الطلابيّة كريمة درويش وهي مرفوعة على الأعناق، معتمرة الشّاشيّة التونسيّة، رافعة شارة النّصر. كانت صورة لعنفوان الشباب الحالمِ ببلادٍ جديدة جميلة لا قديم فيها ولا قبيح.
الصّورة الثالثة للـ”أستاذة”، كما كنّا نسمّيهَا، مية الجريبي -رحمها الله- وهي مرفوعة أيضا على الأعناق، بنفس ابتسامتها المألوفة ونفس التحدّي العملاق المنطلق من ذيّاك الجسد النحيل الصغير الذي يرفع شارة النصر آملا في تحقيق الحلم الكبير، لتجسّد صورة أيقونيّة ولا أروع منها.
ثلاث نساءٍ في ثلاث صورٍ تتكثّفُ فيهَا ملامح تونس، وتونس نشازٌ جميلٌ في محيطهَا.
الـ”Dégage!“..
حين تعاظم الحشد أمام وزارة الدّاخليّة رفعت شعارات عديدة تنادي بالحريّة والديمقراطيّة وسقوط النظام ورحيل سدنة معبده من كبيرهم إلى صغيرهم. ولكن ثمّة شعار اختصرها جميعها، شعار لم يكن مألوفا في الحركة الشعبيّة إلى حدّ تلك السّاعة، شعار لم يُصَغْ باللسان العربي أو بالدّارجة التونسيّة كما هو معتاد، شعار جاء في كلمة واحدة ولكنّها لها وقع الزلزال حين تلفظها الجماهير الهادرة، بكلّ بساطة: Dégage!.
يرفع هذا الشعار ضمن مشهديّة مركّبة تجمع بين الصيحة وحركات الأيدي، إذ ينطلق بصيحة تشبه صيحات جماهير الملاعب الرياضيّة وتكون بنسق متصاعد حتى إذا بلغت الذروة خرجت تلك الـ”ديقاج” مدوّية مرفوقة بالتلويح بالأيدي بطريقة توحي -حتى إن لم تقترن بالكلام- بالدّعوة إلى الرحيل أو هو الطّرد الممزوج بالاحتقار. ونذكر للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم قصيدة بهذا العنوان، وقد ألقاها على مسامع الجمهور التونسي في بعض الفعاليات الثقافية التي جاءت بُعَيْدَ 14 جانفي، وكان يرفع يده ملوّحا بها مقلّدا الجماهير التونسيّة كلّما لفظ تلك الكلمة السحريّة آنذاك: “ديقاج”.
من الأكيد أنّ هذا الشّعار لم يمت. فمازال المشاركون في مختلف الاحتجاجات يرفعونه، ولكن من الضروري أن نشير إلى أنّه من فرط استعماله في سياقه -وفي غير سياقه خاصّة- ظلّ عرضة للابتذال وفريسة التوظيف الركيك.
بن علي هْرَبْ..
يوم 14 جانفي أعلن حظر التجوّل. سارع الجميع إلى بيوتهم التزاما بتطبيق هذا القرار. كانت كلّ المؤشرات تدلّ على أمر جلل يطبخ داخل مكاتب الدّولة، وبشكل خاصّ في أروقة قصر قرطاج. في تلك اللحظة لا تحسّ فقط أنّ التونسيين وحدهم في حالة انتظار، بل العالم كلّه يعيش تلك اللحظة المبهمة الحبلى بالأسئلة.
فجأة جاء النبأ العظيم: “الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يفرّ خارج البلاد مع عائلته”، وانطلقت الأخبار -لا ندري مدى صحتها وقتها- عن الوجهات المحتملة لفراره، حتى تبيّن أنّ السعوديّة هي المنتهى.
في تلك اللحظة خرج شابّ تونسيّ إلى الشارع مخالفا قرار حظر التجوّل. انتشر بعد ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي وفي القنوات التلفزيّة فيديو يوثّق تلك اللحظة. إنّه المحامي الشّابّ والمناضل الطلابي عبد الناصر العويني. كان يتنقّل في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة كما يتنقّل قائد مظفّر مخاطبا الشعب التونسي العظيم، وكان يصيح بكلّ ما أوتي من جهد -كما لو كان في اجتماع عام في الجامعة- قائلا: “بن علي هْرَبْ..”.
هرمنا..
هي من الومضات التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي وفي القنوات التلفزيّة محليّا وعربيّا. صاحبها لا يُعرفُ له ماضٍ سياسي. نستطيع القول هو واحد أبناء تونس من عامّة شعبها، خرج يوم 15 جانفي -أي بعد يوم من رحيل بن علي- فالتقته إحدى القنوات التلفزيّة -صدفة- وهو يتجوّل في شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة، وطُلِبَ منه تقديم تصريح حول ما يدور في البلاد من أحداث في تلك الآونة.
نزعم أنّ من اختار ذلك الجزء بالذات من تصريحه هو شخص بالغ الذّكاء سواء كان مُخْرِجا أو مُنْتِجًا أو مُمَنْتِجًا، ولكن نزعم أيضا أنّه لمْ يكن يتوقّع، ولا أحد كان يتوقّع، أنّ تلك الومضة ستتحوّل إلى أيقونة من أيقونات “الثورة”. فجأة بات المواطن التونسي أحمد الحفناوي -رحمه الله- الذي أدلى بذلك التصريح أشهر من نار على علم، ولسنا نغالي إن قلنا إنّه أمسى أكثر شهرة من بعض أشهر الفنّانين والساسة في تلك الأيام.
تلك الومضة بقدر ما هي بسيطة وتلقائيّة بقدر ما هي طريفة تلامس الوجدان. ثمّة من تلقّاها بالكثير من الجديّة والتعاطف وثمّة من تفاعل معها بشيء من التندّر والسخرية، ولكن في المحصلة نزعم أنه لا يوجد تونسيّ واحد لم يشاهدها ولم يقدّم تعليقا -جادّا أو ساخرا- حولها.
كان المواطن التونسي أحمد الحفناوي، بملامحه التي تختلط فيها الغبطة بالدّهشة بدموع الفرحة، كهلا في طريقه نحو الشيخوخة، يمسح بيده على شعره الأبيض وهو يهنئ الشباب التونسي بهذا المنجز ويقول: “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخيّة..”.
تحوّلت تلك الكلمة “هرمناااا..” مرفوقة بالمسح على الرأس إلى ما يشبه “التراند” حينها، وبات التونسيون يستعملونها في سياقات متعدّدة، منها السياسي ومنها الاجتماعي ومنها ما ينشد الهزل ومنها ما يقصد الجد ومنها ما يخلط الجدّ بالهزل.
الزّين رَاهُو قطّعْ..
التسميات ليست بريئة أبدا، فهي نابعة من اللغة واللغة تخفي شيطانا في جيبها، وهذا جزء من بنيتها. فأن تقول مثلا “الرئيس الأسبق (أو الراحل) بن علي” تخفي موقفا مختلفا عمّن يقول في المقابل “الرئيس المخلوع بن علي”. بل أكثر من ذلك إنّك حين تقول “الزين” فهذا يختلف كليّة عن قولك “بن علي” رغم أنّك في الحالتين تشير إلى نفس الشخص.
في الحالة الأولى أنت أزلت الفوارق والحواجز، ليس فقط لأنك أزلت الصفة (الرئيس) أو عدلت عن ذكر النسب العائلي (بن علي)، بل لأنك أيضا أوردت الاسم مرخّما (مربّجا به) فصار زين العابدين مختصرا في “الزين”. أمّا في الحالة الثانية فهو مثقل بالجفاء، ليس فقط لأنّه يحمل خطابا رسميّا جدا يكتفي باللقب العائليّ في المناداة، بل لأنه -وهذا هو الخفي- يستبطن رفضا للمعنى الذي يحمله الاسم وإحالاته على عالم الجمال والبهاء (“الزين” أو “زين العابدين”)، وهو ما يعني أنّ الاكتفاء بـ”بن علي” هو عنوان لموقف حازم من الشخص صاحب الاسم.
في الأيام الأولى التي تلت 14 جانفي، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي العديد من الفيديوهات الطريفة، منها ذاك الفيديو الذي يظهر فيهِ طفلٌ صغيرٌ بريء يرتدي نظارات شمسيّة تغطّي نصف وجهه، متّخذا من الطنجرة طبلا يضربها بالمغرفة وهو ينشد “الزين المخلوع.. الزّين راهو قطّعْ..”.
من الملاحظ في ضوء ما قلناه سابقا أنّ هذا الطفل قد استعمل لفظة “الزين” وليس “بن علي”، ولكنّه -وهنا تكمن المفارقة- قد أردفها بوصف “المخلوع” ثمّ استعمل عبارة من الدارجة التونسيّة تفيد معنى الهرب وتحيل على عالم السخرية “قَطَّعْ”، وقد خلقت هذه المفارقة نوعا من الطرافة، ولعلّ هذا من أسباب انتشارها آنذاك، ومن المهمّ الانتباه إلى أنّها قد جاءت خلافا للعبارة المفعمة بالجديّة التي قالها المناضل عبد الناصر العويني (بنْ علي هْرَبْ/ الزيّنْ قطّعْ)، وبين الجدّ والهزل، والجمع بينهما، توزّعت هذه العلامات التي نبعت من التاريخ وكانت خارج سياقه في آن.
ملاحظة: كبر ذلك الطفل الذي رأيناه في الفيديو، وقد صار فتى يافعا يعزف على بعض الآلات الإيقاعيّة وعلى آلة البيانو، وقد بثّت بعض القنوات التلفزيّة لقاءً معه ومع أفراد عائلته، ومن المؤكّد أنّ مناخ الحريّة الذي نشأ فيه بعد أن “قطّع الزين” كان مسهمًا في بناء شخصيّة سويّة تعشق الخير والجمال وتنشد إنسانيّة مكتملة.



