spot_img

ذات صلة

جمع

بعض التّجارب.. “منارات”..

شاهين السّافي بعض التّجارب تسكن سويداء القلب، فحين نخوض غمارها...

قراءة في كتاب “اخترتُ أن أكون…” لعبد الله الشرڨي

بقلم: الأسعد الواعرصدر سنة 2023 عن دار صامد كتاب...

جدل الآن والأمس في يوميات إمرأة حالمة لنجوى عمامي

رياض خليفتعتبر اليوميّات من أبرز أشكال الكتابة الذاتيّة الحميميّة،...

المُنعرج الثقافي الخطير

حسني عبد الرحيم منذ البداية كانت المجموعات البشرية لا تعيش...

جدل الآن والأمس في يوميات إمرأة حالمة لنجوى عمامي

رياض خليف

تعتبر اليوميّات من أبرز أشكال الكتابة الذاتيّة الحميميّة، فهي الأقرب إلى المؤلّف، وهي كتابة فوريّة ذات طابع يومي، “تكتب يوميّا بانتظام، ولا يدوّن فيها صاحبها كل مرّة، إلاّ ما وقع له في الفترة الأخيرة التي تفصله عن التّدوين السّابق” ( ماي جورج:السيرة الذاتية، ص 156) ، فهي كتابة خاصّة و ذاتيّة و ضيّقة الحيّز الزّمني وذات بعد مرجعي. فمؤلّفها “يتعهّد بأن يكتب يوما بيوم على نحو حميمي، يكاد يكون سرّيّا ما يقع له من أحداث قريبة منه في الزّمن” معجم السرديات،( ص 482) واليوميّات بهذا الفهم أبعد عن التخييل وأقرب إلى تأريخ أيام صاحبها يشكل دقيق وقد تكون مناسبة لتوثيق لحظات الحزن والفرح، لحظات الإحباط والأمل وكذلك لحظات الظلم والانكسار ولذلك فجنس اليوميات هو كتابة بلا أقنعة يكتشف فيها القارئ روح كاتبها وفضاءات كتابته ورحلة أيامه بعيدا عن التخييل والترميز ولعلها شهادة الكاتب عن نفسه…

على هذا النحو تأتي يوميات د نجوى عمامي التي حملت عنوان يوميات إمرأة حالمة، الصادرة عن دار نقوش عربية في157صفحة من الحجم المتوسط والطريف أن الكاتبة تجرب كتابة اليوميات بعد أن جربت دراستها نقديا وعلميا، بعد نشرها لكتاب قراءة نقدية في يوميات أبي القاسم الشابي وكتابها البحثي عن اليوميات أو أطروحتها، وهي تعتبر في كلمة غلاف كتابها إن هذا العمل ” يوميات أستاذة تونسية تخوض تجربة كتابة اليومي فتدون حصيلة يومها خوفا عليها من النسيان، محاولة تثبيت لحظات من حياتها برسمها على الورق ويومياتها أيضا رحلة في عالم الأنا تحاور فيها الذات ذاتها لتفكر قي ما يشغلها وتتنفس عن مشاعرها وتتخلص من أعباء الحياة اليومية…”

لعل هذا المناص الما بعدي على حد تعريب معرب عتبات جيرار جينات، المتمثل في كلمة الغلاف الثاني، يمضي في التأكيد على البعد النفسي الذاتي لليوميات، فهي كتابة ضد النسيان وكتابة ضد المتاعب والمظالم وهذا نشعر به في بعض يوميات كاتبتنا، فالكتابة الحميمية علاج للروح وحساب مفتوح مع هذا العالم الظالم الذي لا نستطيع رد ظلم كثير فيه إلا بالكتابة…ورغم طابعها الآني فاليوميّات تتجاوز اللحظة والحاضر لتكون كتابة تذكّر لأزمنة بعيدة، متحاورة بذلك والمذكرات. فكيف تقتحم المذكرات اليوميات وكيف تصبح بدورها كتابة احتجاج؟

1 فضاء اليوميات… فضاء الأحلام

نهتمّ في هذا المستوى بفضاء اليوميات زمانيا ، وقد اشتققنا تركيب فضاء الأحلام من عنوان هذه اليوميات. ولعلّ النظر في هذا الجانب يجعلنا أمام مقوّمات كتابة اليوميات مثلما تم تحديدها. فنحن أمام نصوص تكتب في تواريخ دقيقة توثقها الكاتبة. فلكل نص تاريخ كتابة من ذلك تاريخ النص الأول27 مارس2023

ولكن الكتابة لا تحافظ على دوريتها، فهناك أيام غياب كثيرة قيأتي النص الثاني بتاريخ13 أفريل والثالث بتاريخ 27 أفريل/ وهذه طبيعة هذا الجنس الأدبي فالكتابة فورية وتعني أياما دقيقة لكنها ليست بشكل يومي، وقد استمرت الكاتبة على هذا النحو حتى نصها الأخير بتاريخ13 أوت2023

ونسجل في هذا المستوى أن يوميات العمامي اقتصرت على مساحة زمنية قصيرة نسبيا أي بعض الأشهر. لكن المؤلفة استطاعت تجاوز هذا الحاجز لتحمل بعض يومياتها خروجا عن اللحظة الآنية إلى أزمنة بعيدة.

2 من اليوميات إلى المذكرات

إذا كانت كتابة اليوميّات كتابة فوريّة آنية، فإنّ كتابة المذكّرات ترتدّ إلى مسافة زمنيّة أطول، ولا تقتصر كتابة المذكّرات على المجال الذّاتي فقط وإنّما تتناول مواضيع عامّة. “فإنّ كاتب المذكّرات حاضر في نصّه، مؤلّفا وراويا وشخصيّة فاعلة.وقد يكون مجرّد شاهد على الأحداث أو فاعلا من الفواعل الرّئيسيّين فيها، ولكنّه معنيّ بتذكّر، ما كان شاهدا عليه من التّاريخ العام، وروايته، وليس مقتصرا على تاريخه الشّخصي”( معجم السرديات ،ص 380)

وقد استطاعت المؤلفة تجاوز ضيق الحيز الزمني المحدد بيوم لتجعل اليوميات قادرة على احتضان ذكرياتنا الكبيرة والعودة إلى أزمنة أبعد، فتأخذنا بعض اليوميات إلى زمن بعيد، زمن النشأة والأسرة الأولى:

نخرج الكاتبة في يومية الخميس 13 أفريل إلى زمن آخر…

ذكرى يوم وفاة الأم

“هذا القلب الطيب الحنون الذي يتسع للجميع ويوزع الحب بعطاء نادر، لم يتحمل تلك الضغوط المتراكمة، فانفجر في يوم مشمس هو أول أيام عطلة الصيف في الأول من شهر جويلية سنة 1995 ” ص12

وتبتعد الكاتبة أكثر عن هذا اليوم لتذكر طفولتها مع أمها ولتذكر تجربتها في الحياة:

“عندما كنت أنا وأختاي في المعهد الثانوي كان يظن من يرانا في الشارع معا أنها أختنا الكبرى…ولدت أمي قي ريف معتمدية منزل بوزيان في ولاية سيدي بوزيد في عائلة تكبر العلم وتشجع عليه….”(ص14)

و تبدو الذاكرة في يومية 29 أفريل مرتدة إلى أيام السكن في شقة رأس الطابية ينة 1998 وفي يومية 2 ماي إلى التعرف على صديقة فلسطينية في سبتمبر 2014 ومزاولة الدراسة عند الأستاذة جليلة طريطر والتعرف على فن اليوميات وفي يومية 5ماي تعود إلى صباح الاربعاء 1993 ساعة رزقت بطفلها الأول…

هكذا تعود الكاتبة في بعض يومياتها إلى الأمس، فتصبح اليوميات كتابة يتنازعها الحاضر والماضي، لا تخلو من الذكرى والتذكر، وهذا ليس بغريب فالذاكرة تؤثر في راهن الإنسان وواقعه اليومي… فاليوميات بهذا تصبح بابا للذكرى والسيرة الذاتية. ولعل الكاتبة استطاعت إن ترسم عبرها شيئا من سيرتها الذاتية. رحلة التدريس والبحث العلمي وارتحالات مختلفة من مسقط رأسها المكناسي إلى القيروان والعاصمة ونابل وغيرها.

لكن اليوميات ليست دوما ذكرا لأحداث بل قد نكون لحظات تأمل وخواطر مثل اليومية الافتتاحية والثانية. فهي تأملات وجدانية اجتماعية:

” عجيب أمر هذه الدنيا فبين الحاضر والماضي لا نكاد نعرف أنفستا…” (ص9)

أو يومية 28 أفريل: كبرت يا أمي…

لكن اليوميات على جمالها وخفتها ليست كتابة وديعة فهي تحمل بين طياتها مواقف من اليومي تتجاوز الذاتي إلى العام وتكتب احتجاجها بخفة.

3 اليوميات وخطاب الاحتجاج والألم:

تتحول يوميات نجوى عمامي أحيانا إلى الشأن العام فتعبر عن تذمرها من الواقع وتألمها مما يحصل بعد الثورة، فتصور في يومية 6 ماي ما وجدته في المكتبة العمومية:

” اعترضتني الأوساخ وبقايا الأتربة والغبار خاصة على الدرج المؤدي إلى قاعتي المطالعة

مستخلصة من ذلك “آثار الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعاني منها الدولة في السنوات الأخيرة وهي تظهر في العديد من المؤسسات العمومية…” (ص37/38)

نفس هذه الصورة تظهر في يومية 7 ماي فتبدو مستاءة لما يظهر وسط العاصمة من إهمال: ” صار المكان قبيحا متسخا تمتد على أجزاء منه الحواجز الحديدية وذلك منذ سنوات قليلة، وقد غزت الأنهج المحيطة به أكداس الفريب أو الملابس المستعملة مع انتصاب فوضوي للباعة…”(ص39)

وتتذمر الأستاذة من الوضع التربوي الجديد

“هذا حالي اليوم وأنا أشارف على الإحالة على شرف المهنة.اشعر بأنني أكتب على الماء “،

مشيرة إلى “حال المؤسسات التعليمية العمومية كارثي يبعث في اليأس والحزن… ” (ص48/49)

لعل القارئ يرصد أيضا رحلة العذاب والانتظار انتظارا لمناقشة رسالة دكتوراه تأجلت أكثر من مرّة ولعلّ الكاتبة تكتب ذلك بشيئ من الاحتجاج أيضا.

صفوة القول إنّ لجنس اليوميات زوايا مختلفة يمكن دراسته منها، فهو موطن لمشاغل وأساليب مختلفة وما هذه الملاحظات التي قدمنا بها يوميات د نجوى عمامي غير ملاحظات أولية، فمازالت هذه اليوميات تحمل الكثير من العلامات.

spot_imgspot_img