فتحي البوكاري كاتب وأديب تونسي، وقارئ نهم تشكّلت علاقته بالأدب من خارج المسارات الأكاديمية التقليدية، فهو يزاوج بين عمله في المجال البحري وشغفه العميق بالقراءة والكتابة. وقد تحوّلت تجربته المهنية المرتبطة بالبحر إلى أفق رمزي ومعرفي، ينعكس في اختياراته القرائية وفي حسّه السردي.
ينشغل بالكتابة الإبداعية وبالتأمل في الأدب. له إصدارات عديدة في الرواية والقصّة القصيرة والمطارحات الأدبيّة والترجمة، ومساهمات في المشهد الثقافي التونسي، كما يشارك في أنشطة أدبية وملتقيات ثقافية محليّةووطنية وعربية، إيمانًا منه بدور الثقافة في الحياة العامة.
إلى جانب ذلك، يعمل على مشروع ثقافي طموح يتمثّل في نقل بعض النصوص الغربية التي صدرت في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إلى اللغة العربية، مع تركيز خاص على الكتابات التي تناولت العرب والعالم العربي في سياقات الرحلة، والسرد، والتأمل الحضاري. من أجل فهم صورة العربي في الكتابات الغربيّة وتحوّلاتها، إلى جانب إعادة قراءة تلك النصوص قراءة نقدية، وإتاحتها للقارئ العربي في صياغة لغوية أمينة وواعية بخلفياتها التاريخية والثقافية.
يمكن القول إن فتحي البوكاري يمثّل نموذج المثقف الذي لم تفصله المهنة عن المعرفة، بل جعل منها جسرًا إليها. فبين البحر والكتاب، وبين القراءة والترجمة والكتابة، تتشكّل تجربة لا تدّعي الاكتمال، لكنها واعية بما تفعل، وبما تريد أن تضيفه إلى المشهد الثقافي العربي: قارئًا يقترح نصوصًا، وكاتبًا يكتب وهو يعرف جيّدًا من أين يأتي صوته وإلى أين يريد أن يصل.
ما هي اهم الاشكاليات التي اشتغلتم عليها في نصوصكم الابداعية الروائية والقصصية
حين أُسأل عن الإشكاليات التي اشتغلتُ عليها في كتابتي الروائية والقصصية، أجد نفسي مضطرًا إلى القول إنني لا أنطلق من “موضوع” بقدر ما أنطلق من قلقٍ معرفي وإنساني، ومن أسئلة فرضها عليّ الواقع الذي عشته وراقبته، سواء في مستواه السياسي أو الاجتماعي أو الكوني الأوسع.
في روايتي الأولى «العوالق»، كانت الإشكالية المركزية هي معاناة الإسلاميين بعد خروجهم من السجن في فترة حكم زين العابدين بن علي، في ظل المراقبة الإدارية. ما شغلني هنا ليس تجربة السجن في حدّ ذاتها، بل ما بعدها: تلك الحالة الرمادية التي يصبح فيها الفرد حرًّا شكليًا، لكنه مقيَّد فعليًا.
اشتغلتُ في هذه الرواية على إشكالية السجن المفتوح، حيث تتحوّل الحياة اليومية إلى فضاء مراقبة، ويتحوّل الجسد إلى وثيقة، والخطوة إلى شبهة. العالق في هذا الوضع ليس فقط الشخصيات، بل الزمن نفسه، زمن لا يتقدّم، لأن الماضي يظلّ حاضرًا بثقله، والحاضر لا يُمنح فرصة الاكتمال.
ومن هنا جاء عنوان «العوالق»: كائنات معلّقة بين الحرية والقيد، بين المجتمع والنبذ، بين الرغبة في الاندماج واستحالة النسيان. وأيضا، خيالات ماضيّ المعلّقة في ذهني.
أما «يوم تبدّلت الأرض»، وهي مجموعة قصصية، فقد انتقلتُ فيها إلى إشكالية من طبيعة أخرى، لكنها لا تقلّ قسوة: تغيّر المناخ وأثره على البشرية، والإشكالية المطروحة هنا هي اختلال علاقة الإنسان بالأرض، حين يتحوّل ما كان ثابتًا ومطمئنًا إلى عنصر تهديد. الأرض التي “تتبدّل” ليست فقط طبيعة تتغيّر، بل منظومة قيم، وأسلوب عيش، وإحساس بالأمان، فأنا لا أتعامل مع المناخ كخلفية طبيعية، بل كقوّة فاعلة تهدّد معنى الوجود الإنساني ذاته. كما أنّ بعض النصوص في تلك المجموعة، كما في مجموعتي القصصيّة الثانية “الفتاة الإنسوب”، تتناول إشكالية العزلة والوجود على التخوم. فالشخصيات فيها غالبًا ما تعيش على الهامش: هامش المكان، أو هامش المجتمع، أو هامش المعنى. ليست معزولة عزلةً صاخبة، بل عزلة هادئة، داخلية، تتجلّى في التردّد، في الصمت، وفي الإحساس بعدم الاكتمال.
في هذه القصص، يصبح الإنسان كائنًا هشًّا أمام قوى كونية صنع جزءًا منها بيده، لكنه عاجز عن السيطرة عليها. وهي كتابة تحاول أن تُنصت إلى المستقبل وهو يطرق باب الحاضر بقلقٍ وعنف.
وفي رواية «كسر شرّ»، أشتغلت على إشكالية من نوع ثالث، تتقاطع فيها السياسة بالذاكرة وبالسرد: حادثة سقوط المروحية التي كانت تقلّ الجنرال سكيك ورفاقه، وما نجم عنها من مقتلهم. لم يكن هدفي إعادة سرد الحادثة أو توثيقها، بل مساءلة الرواية الرسمية، وطرح وجهة نظري في أسباب هذا السقوط، من خلال السرد الروائي. الإشكالية هنا هي الحقيقة: أيّ حقيقة نصدّق؟ ومن يملك حقّ روايتها؟ وهل يمكن للأدب أن يكون وسيلة لكشف ما يُطمس أو يُبَسَّط أو يُختزل؟
في «كسر شرّ»، يتحوّل السرد إلى أداة تفكيك، حيث لا يكون الحدث نهاية، بل بداية لسلسلة من الأسئلة حول السلطة، والخطأ، والمسؤولية، والذاكرة الجماعية. بالإضافة إلى إشكالية الزمن المتصدّع. حيث أنّ الزمن في هذه الرواية لا يسير في خط مستقيم، بل يتكسّر بين الذاكرة والحاضر. الماضي لا يعود بوصفه حنينًا، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا أو جرحًا مؤجّلًا. وهذا التصدّع الزمني يجعل السرد قائمًا على الاسترجاع، والانقطاع، والعودة غير المكتملة، وهو ما يمنح النص كثافة تأملية ويبعده عن السرد الخطي التقليدي.
وما يجمع هذه الأعمال، على اختلاف موضوعاتها، هو اشتغالي المستمر على الإنسان في وضعيات الاختناق: اختناق سياسي في «العوالق»، اختناق كوني وبيئي في «يوم تبدّلت الأرض»، واختناق الحقيقة داخل الرواية الرسمية في «كسر شرّ»، واختناق المهمّشين في أوطانهم.
وبالتالي، فأنا أكتب عن الإنسان حين يفقد الأرض تحت قدميه، سواء كانت تلك الأرض وطنًا، أو طبيعة، أو حقيقة. ولا أزعم أنني أقدّم أجوبة نهائية، بل أحاول أن أفتح في النص مساحات شكّ وتأمّل، لأنني أؤمن بأن الأدب ليس محكمة، بل سؤال مفتوح على القارئ وعلى الزمن.
ماهي اهم المدارس التي تفاعلتم معها قراءة وأثرت في كتاباتكم
لا أظنّ أنّني أنتمي إلى مدرسة أدبية بعينها، بقدر ما أنتمي إلى القراءة نفسها. غير أنّ هناك تيارات أثّرت في تكويني بشكل واضح، في مقدّمتها الواقعية النقدية، لأنها علّمتني النظر إلى الواقع لا كما يُقدَّم، بل كما يُنتج القهر والتهميش، وهذا يظهر خصوصًا في رواية العوالق. كما تأثّرت بالكتابة الوجودية، لا من باب الفلسفة، بل من حيث اشتغالها على عزلة الإنسان وقلقه وأسئلته في مواجهة السلطة والمصير.
إلى جانب ذلك، تفاعلتُ مع منجز الحداثة السردية، خاصة في كسر الخطية الزمنية والاقتصاد اللغوي وترك مساحة للقارئ، وهو ما يتجلّى في نصوصي القصصية، ومنها يوم تبدّلت الأرض. كما لا أخفي تقاطعي مع أدب الشهادة حين يفرض الواقع نفسه، لكنني أحرص دائمًا على أن يظلّ الأدب أدبًا لا وثيقة. وفي السنوات الأخيرة، انفتحت قراءتي على الأدب البيئي، لأن تغيّر المناخ لم يعد موضوعًا علميًا فقط، بل صار سؤالًا إنسانيًا وأخلاقيًا يهمّ مصيرنا جميعًا.
هل نحتاج اليوم الى مدرسة نقدية عربية لها اسسها ومقوماتها النظرية والتطبيقية
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أوّلًا من استعراض المدارس النقدية الأدبية في الغرب، حتى يتّضح وجه المقارنة، وتُفهم الحاجة من موقعها الصحيح لا من موقع ردّ الفعل. فالغرب لم ينتج مدرسة نقدية واحدة، بل راكم عبر الزمن منظومات نقدية متعدّدة: من الشكلانية والبنيوية، إلى ما بعد البنيوية، والنقد الثقافي، والتاريخانية الجديدة، وصولًا إلى النقد ما بعد الاستعماري ونظريات الهوية. هذه المدارس لم تنشأ في فراغ، بل وُلدت من سياقات فلسفية واجتماعية وتاريخية محدّدة، وكانت دائمًا في حوار مع تحوّلات المجتمع الغربي وأسئلته الكبرى.
انطلاقًا من ذلك، أعتقد أنّ السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى مدرسة نقدية عربية؟ بل: هل يمكننا الاستمرار في قراءة نصوصنا وأسئلتنا بأدوات وُلدت لمعالجة تجارب غيرنا؟
أنا لا أدعو إلى القطيعة مع النقد الغربي، ولا أرى في استيعابه خطرًا في حدّ ذاته، لكن الإشكال يكمن في الاستيراد غير النقدي، وفي تحويل النظريات إلى قوالب جاهزة نُسقِطها على نصوصنا دون مساءلة مدى صلاحيتها أو حدودها.
نعم، نحن في حاجة اليوم إلى “مشروع نقدي عربي”، أو إن شئنا الدقة: إلى أفق نقدي عربي، له أسسه النظرية ومقوماته التطبيقية، ينطلق من خصوصيات لغتنا، وتاريخنا، وأسئلتنا الثقافية والسياسية. فاللغة العربية ليست مجرد أداة تعبير، بل حاملة لرؤية للعالم، والكتابة العربية الحديثة لم تتشكّل في الظروف نفسها التي تشكّلت فيها الرواية أو القصيدة الغربية.
المدرسة النقدية العربية المنشودة، في رأيي، لا ينبغي أن تكون نسخة مقابلة للمدارس الغربية، ولا خطابًا هويّاتيًا منغلقًا، بل “مشروعًا نقديًا تفاعليًا”: يستفيد من المنجز الغربي، ويعيد قراءة التراث العربي قراءة حديثة، ويضع النص الأدبي في صلب أسئلته، لا في هامش التنظير.
نحن بحاجة إلى نقد يُنصت إلى النص العربي وهو يتشكّل داخل واقع معقّد: الاستبداد، التحوّلات الاجتماعية، الذاكرة، الدين، اللغة، والعلاقة المربكة مع الحداثة. نقد لا يكتفي بتطبيق المصطلح، بل يسأل: لماذا نقرأ؟ ومن نقرأ؟ وبأي أفق معرفي؟
بكلمة واحدة، نعم، نحن بحاجة إلى مدرسة نقدية عربية، لكن بشرط أن تكون مدرسة إنتاج لا استنساخ، وحوار لا انعزال، وأسئلة لا وصفات جاهزة.
كيف تقيمون اليوم الحركة النقدية العربية وهل واكبت هذا الكم الهائل من النصوص المنشورة
إذا أردتُ أن أكون دقيقًا، فإنّ الحركة النقدية العربية اليوم تعيش حالة تفاوت حادّ أكثر ممّا تعيش أزمة واحدة متجانسة. هناك جهود نقدية جادّة، ومشتغلات أكاديمية رصينة، ونقّاد يقدّمون قراءات عميقة ومتماسكة، لكن هذه الجهود تبقى في الغالب محدودة التأثير والانتشار إذا ما قورنت بالكمّ الهائل من النصوص السردية والشعرية التي تُنشر يوميًا.
من حيث المبدأ، يمكن القول إنّ النقد العربي لم يواكب كميًا هذا الفيض من الإصدارات، وهذا أمر مفهوم إذا أخذنا بعين الاعتبار سرعة النشر، وتحوّل الكتابة إلى فعل يومي متاح للجميع، مقابل بطء الفعل النقدي الذي يحتاج إلى زمن القراءة والتأمل والاشتغال المنهجي. لكن الإشكال الحقيقي، في رأيي، ليس فقط في الكمّ، بل في نوعية المواكبة.
جزء كبير ممّا يُسمّى نقدًا اليوم ينزلق أحيانًا إلى التقديم الانطباعي، أو المجاملة الثقافية، أو التلخيص، بدل الاشتغال الحقيقي على النص بوصفه بنية لغوية ودلالية وثقافية. في المقابل، نجد النقد الأكاديمي الجاد محصورًا داخل الجامعة، يكتب بلغة مغلقة، ويظلّ بعيدًا عن القارئ العام وعن الفضاء الثقافي الحي.
المفارقة أنّ النصوص الإبداعية العربية تطوّرت تقنيًا وموضوعيًا بشكل لافت، بينما ظلّ النقد في كثير من الأحيان أسير أدوات قديمة أو مستوردة دون تكييف، وهو ما خلق فجوة بين النص والقراءة النقدية. فبدل أن يقود النقد الحوار حول الأدب، أصبح في حالات كثيرة يلهث خلفه.
مع ذلك، لا أرى المشهد سوداويًا بالكامل. هناك محاولات جديدة، خاصة لدى جيل من النقّاد الشباب، يسعون إلى كسر هذا الجمود، والانفتاح على مقاربات عابرة للتخصّصات، تجمع بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ والأنثروبولوجيا. هذه المحاولات، إن وُفّر لها الفضاء والدعم، يمكن أن تشكّل نواة لتجديد نقدي حقيقي.
خلاصة القول: لم يواكب النقد العربي بعد هذا الكمّ الهائل من النصوص كما ينبغي، لا من حيث الكمّ ولا من حيث التأثير، لكنّ الإمكان موجود. وما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الأحكام، بل مشروع نقدي يعيد الاعتبار للقراءة بوصفها فعل معرفة، لا مجرّد تعليق على النصوص.
ما هو دور الجوائز العربية وهل انصفت تجربتكم المنشورة
لا يمكن إنكار أنّ الجوائز العربية أصبحت اليوم فاعلًا أساسيًا في المشهد الأدبي، فهي تساهم، من حيث المبدأ، في لفت الانتباه إلى الكتاب والقراءة، وتمنح بعض النصوص فرصة للانتشار والترجمة والوصول إلى قارئ أوسع. في هذا المعنى، أدّت الجوائز دورًا إيجابيًا، خاصة في زمن تراجعت فيه المنابر النقدية التقليدية.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحوّل الجائزة من “وسيلة دعم” إلى “معيار وحيد للقيمة”. فالأدب لا يُقاس بالجائزة، والجائزة لا تختصر المشهد الإبداعي. هناك نصوص مهمّة لم تمرّ عبر لجان التحكيم، ونصوص أخرى حازت جوائز لكنها لم تصمد أمام الزمن. حين يصبح السؤال: “هل فاز العمل بجائزة؟” بدل “ماذا يقول هذا العمل؟ وكيف كُتب؟”، نكون قد نقلنا مركز الاهتمام من الأدب إلى السوق.
كما أنّ بعض الجوائز، بحكم شروطها أو اختيارات لجانها، تميل أحيانًا إلى توحيد الذائقة، أو تشجيع نماذج سردية بعينها، وهو ما قد يدفع بعض الكتّاب، بوعي أو دون وعي، إلى الكتابة على مقاس الجائزة لا على مقاس تجربتهم الخاصة. هنا يتحوّل الدعم إلى ضغط، وتتحوّل الجائزة من أفق تحفيز إلى أفق توجيه.
من جهة أخرى، لا يمكن تحميل الجوائز أكثر ممّا تحتمل. فغياب النقد الفاعل، وضعف التوزيع، وهشاشة البنية الثقافية، ليست مسؤولية الجوائز وحدها. المشكلة أعمق، وتتعلّق بمنظومة ثقافية كاملة. ولو كان لدينا نقد حيّ ومؤثّر، لما أصبحت الجائزة هي الصوت الأعلى أو الحكم شبه الوحيد.
في تقديري، الدور الحقيقي للجوائز العربية ينبغي أن يكون فتح المجال أمام التنوع، لا تكريسه في اتجاه واحد، وأن تظلّ جزءًا من المشهد لا مركزه. الأدب يُصنع في النصوص، ويُختبر في القراءة، وتُصفّيه الذاكرة الجماعية على المدى الطويل، لا منصّات التتويج وحدها.
ولا أخفي أنّ تجربتي الشخصية مع الجوائز تجعلني أنظر إليها دائمًا بشيء من التحفّظ. فأنا أعتقد أنّ اللجان المُحكِّمة لم تُنصف تجربتي السردية، لا لأسباب فنية خالصة، بل لأسباب تتداخل فيها الاعتبارات الإيديولوجية مع طبيعة الكتابة نفسها. أنا لا أكتب نصوصًا صريحة أو شعاراتية، بل أكتب أدبًا يحمل رسائل مبطّنة، تُراهن على التأويل، وتشتغل على ما هو مسكوت عنه سياسيًا واجتماعيًا، وهذا النوع من الكتابة غالبًا ما يُربك الذائقة المؤدلجة أو الباحثة عن مواقف واضحة ومعلنة.
وقد ذكر لي الصحفي الراحل محمد بن رجب، في حديث شخصي قبل وفاته، أنّه من بين ما كان يُتداول في فترات سابقة، وجود توصيات وجّهت له من السلطات المحلية بحي الزهور بألّا تحظى مشاركتي في مهرجان الأدباء الشبّان التي كانت تقام بالجهة بأي تتويج، بسبب مواقفي المعارضة للسلطة. لا أقدّم هذا الكلام بوصفه حقيقة تاريخية مثبتة، بل بوصفه جزءًا من مناخ ثقافي عايشناه، وكانت فيه الجوائز، مثل غيرها من الفضاءات، تتأثر أحيانًا بما هو خارج الأدب.
لهذا، أفضّل دائمًا أن أضع مسافة بيني وبين منطق التتويج فلا أشارك في تلك المسابقات. ما يعنيني في النهاية هو أن يصل النص إلى قارئه، وأن يحتفظ بقدرته على طرح الأسئلة بعد أن تخفت الأضواء. فالتجربة الأدبية، في تقديري، تُنصفها القراءة الطويلة والزمن، لا لجان التحكيم وحدها.
الكم المنشور لليافعين مازال يعاني الانتاج المكثف مقارنة بقصص السن المبكرة وما قبل سن البافعين ما هي الاسباب حسب رأيكم
أعتقد أنّ هذا الضعف يعود إلى جملة من الأسباب المتداخلة، أوّلها أنّ فئة اليافعين تُعدّ، في المخيال الثقافي والنشري، منطقة رمادية: فهي ليست طفولة بريئة يمكن مخاطبتها بالحكاية التعليمية البسيطة، ولا هي رُشدٌ كامل يُسمح له بمواجهة الأسئلة الكبرى دون تحفّظ. هذا التردّد يجعل كثيرًا من الناشرين والكتّاب يتجنّبون هذه الفئة، أو يفضّلون الاشتغال على ما هو أسهل وأضمن تسويقيًا.
السبب الثاني يتمثّل في غياب سياسة ثقافية واضحة تُدرك خصوصية اليافعين بوصفهم قرّاء في طور التشكّل، لا مجرّد امتداد لكتب الأطفال. فالكتابة لليافعين تحتاج إلى حساسية خاصة، ولغة تحترم ذكاء القارئ، وموضوعات تلامس قلق الهوية، والتحوّلات الجسدية والنفسية، والأسئلة الاجتماعية، وهي موضوعات ما تزال تُواجَه أحيانًا بنوع من الرقابة المعلنة أو الضمنية.
كما أنّ المدرسة، وهي المفترض أن تكون الحاضنة الطبيعية لهذا الأدب، لا تلعب دورها كما ينبغي. فبرامج القراءة المدرسية نادرًا ما تفتح المجال لنصوص معاصرة موجهة لليافعين، ما يضعف الطلب ويجعل النشر في هذا المجال مغامرة غير مضمونة النتائج.
ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي، إذ يظلّ الناشر متردّدًا في الاستثمار في كتب اليافعين لغياب التوزيع الفعّال، وضعف المكتبات المدرسية، وانعدام الدعم المؤسسي المستمر. في المقابل، تحظى كتب الطفولة المبكرة بدعم أوضح لأنها مرتبطة بالتعليم الأولي وبالشراء العائلي.
أخيرًا، هناك مسألة لا تقلّ أهمية، وهي أنّ كثيرًا من الكتّاب لم يخوضوا بعد مغامرة الكتابة لليافعين بجدّية، إمّا لاعتقاد خاطئ بأنّها كتابة أقلّ شأنًا، أو لعدم الاطلاع الكافي على التجارب العالمية في هذا المجال. والحال أنّ أدب اليافعين هو أحد أخطر وأجمل أشكال الكتابة، لأنه يكتب للقارئ وهو في لحظة تشكّل وعيه بالعالم.
في تقديري، لا يمكن تجاوز هذا الضعف إلا بإعادة الاعتبار إلى اليافع بوصفه قارئًا حقيقيًا، لا مشروع طفل ولا بالغًا مؤجَّلًا، وببناء شراكة حقيقية بين الكاتب والناشر والمدرسة والسياسات الثقافية.
لمن كتبتم للطفولة وكيف تقيمون كتاب القصة الموجهة للطفولة اليوم وطنيا وعربيا
حين كتبتُ للطفولة، لم أكتب لها بوصفها فئة هامشية أو مرحلة عابرة، بل بوصفها بداية الوعي بالعالم. اشتغالي في هذا المجال جاء من قناعة بأنّ الطفل قارئ ذكي، قادر على التقاط المعنى والصورة والرمز، إذا ما قُدِّم له النص باحترام وجمال. ومن هذا المنطلق جاءت مساهمتي في القصة المصوّرة للكاتبة الإنجليزية لوفتشايلد بعنوان “الكلب”، وكذلك اشتغالي على قصص عن البحر، وهي محاولة لفتح أفق تخييلي لدى الطفل العربي، وربطه بمجالٍ كان وما يزال جزءًا من هويتنا الحضارية.
اخترتُ البحر تحديدًا لأنّه ليس مجرّد فضاء طبيعي، بل ذاكرة وثقافة ومصير. تونس، التي كانت رائدة بحريًا منذ عهد قرطاج، وتمتلك اليوم شريطًا ساحليًا يقارب 1300 كيلومتر، من المؤسف أن يكون البحر فيها حاضرًا بقوة في الجغرافيا والتاريخ وغائبًا نسبيًا في أدب الطفل. الكتابة عن البحر، في تقديري، هي أيضًا دعوة مبكّرة للأطفال للاهتمام بالبيئة البحرية، وبالتاريخ، وبفكرة الانفتاح على العالم.
أما بخصوص تقييم كتّاب القصة الموجّهة للطفولة اليوم، وطنيًا وعربيًا، فأعتقد أنّ المشهد يشهد حركية واضحة وتنوّعًا ملحوظًا، خاصة على مستوى الشكل، والاشتغال على القصة المصوّرة، والكتاب المرسوم. هناك أسماء جادّة وتجارب تحترم الطفل وتراهن على الخيال لا على الوعظ. لكن في المقابل، ما يزال جزء من الإنتاج أسيرًا للوظيفة التعليمية المباشرة، أو للغة المبسّطة إلى حدّ الفقر الجمالي.
الإشكال، في رأيي، ليس في نقص الكتّاب بقدر ما هو في غياب مشروع ثقافي متكامل لأدب الطفولة: مشروع يربط النص بالمدرسة، وبالترجمة، وبالفنون البصرية، وبقضايا البيئة والهوية. الطفل العربي اليوم يعيش في عالم بصري سريع، وإذا لم نقدّم له قصة قادرة على المنافسة من حيث المتعة والعمق، سنتركه فريسة لمحتويات لا تصنع قارئًا ولا وعيًا.
أؤمن بأنّ الكتابة للطفولة ليست تمرينًا بسيطًا، بل مسؤولية ثقافية كبرى، لأنّها تكتب للإنسان قبل أن تتشكّل نظرته إلى العالم. وإذا أحسنا الكتابة له اليوم، نكسب قارئ الغد، ونكسب مجتمعًا أكثر حساسية وجمالًا.
لماذا لم نستطع كعرب كتابة قصص موجهة للطفل تترجم للغات اخرى وتصبح من ثوابت واسس الكتابة للطفل كبينوكبو والصرار والنملة وغيرهما
أعتقد أنّ صياغة السؤال تفترض تعديلا. فنحن، في الحقيقة، كتبنا في السابق قصصًا كبرى وجدت طريقها إلى العالم، بل وأصبحت جزءًا من المخيال الإنساني المشترك، مثل علي بابا والأربعون لصّا، وعلاء الدين والمصباح السحري، وحكايات كليلة ودمنة، وحكايات السندباد، وغيرها من نصوص ألف ليلة وليلة. هذه الأعمال تُرجمت منذ قرون إلى لغات أوروبية، وأثّرت بعمق في أدب الطفل الغربي، بل وفي السينما والفنون البصرية الحديثة.
وهناك أعمال عربية للأطفال لاقت صدى في الغرب أو أُنتجت بلغات أجنبية، ولو أنها لا تزال قليلة مقارنة بالإنتاج الغربي الكلاسيكي، مثل قصّة الغد للكاتبة السورية نادين كعدان التي ترجمت إلى الإنجليزية ونال جوائز دولية متعددة، لما تقدّمه من مساعدة للأطفال على فهم الصراع والعواطف في سياقات الحرب. وقصّة الخاتم الذهبي لقيس صدقي التي تُرجمت إلى الإنجليزية، وهناك اهتمام بتحويله من قصّة مصوّرة إلى شريط صور متحركّة. ولكن الأمثلة قليلة.
ورغم وجود هذه الأمثلة، القصص العربية للأطفال لم تحظَ حتى الآن بانتشار عالمي واسع بالمقارنة مع الكلاسيكيات الغربية (مثل “بيتر بان” أو “الأسد والساحرة”) أو الإنتاج الغربي المعاصر. الأسباب تتعلق بالترجمة، والترويج، والبنى المؤسسية التي تدعم أعمال الأطفال في الغرب، وهي عوامل ما تزال في طور النمو في العالم العربي.
لكن الإشكال لا يكمن في غياب النص المؤسِّس، بل في انقطاع السلسلة التاريخية. فبينما نجح الغرب في تحويل نصوصه السردية إلى تراث حيّ، يُعاد إنتاجه وتحديثه باستمرار عبر النشر والتعليم والسينما والمسرح، توقّفنا نحن، إلى حدّ كبير، عند لحظة التأسيس، ولم نطوّر هذه الحكايات ضمن مشروع ثقافي متكامل موجّه للطفل.
ثمّة سبب آخر لا يقلّ أهمية، وهو أنّ كثيرًا من حكاياتنا الكبرى لم تُكتب أصلاً للطفل بالمعنى الحديث، بل كانت حكايات شعبية أو أخلاقية أو سياسية موجّهة للكبار، ثم جرى تكييفها لاحقًا للأطفال. في المقابل، تطوّر في الغرب مفهوم أدب الطفل بوصفه جنسًا مستقلًا، له لغته وخياله وأسئلته، وتدعمه مؤسسات نشر وترجمة وتعليم.
كما أنّنا، في الفترات الحديثة، تعاملنا مع أدب الطفل في الغالب بوصفه أداة تربوية أو وعظية، لا فضاءً للخيال الحرّ والمغامرة والدهشة. الطفل الغربي قرأ بينوكيو بوصفه مغامرة وجودية عن الحرية والخطأ والتعلّم، لا درسًا أخلاقيًا مباشرًا، بينما حُمِّلت قصص الطفل العربي أحيانًا أكثر ممّا تحتمل من رسائل جاهزة.
ولا يمكن إغفال دور الترجمة العكسية. فالغرب لم يكتفِ بترجمة نصوصه إلى لغات أخرى، بل اشتغل على تسويقها عالميًا، وربطها بالصورة والسينما والصناعة الثقافية. نحن نملك الحكاية، لكننا لا نملك دائمًا المنظومة التي تحوّلها إلى منتج ثقافي عالمي قابل للتداول.
المشكلة إذن ليست في غياب الخيال العربي، ولا في فقر التراث، بل في غياب الاستمرارية والمأسسة. ما نحتاجه اليوم هو كتابة جديدة للطفل تنطلق من تراثنا دون أن تستنسخه، وتخاطب الطفل العربي والإنساني في آن واحد، وتؤمن بأنّ القصة الجيدة لا تحتاج إلى جواز سفر، بل إلى خيال صادق ومؤسسات تعرف كيف تحمله إلى العالم.
من اهم مشاريعكم المستقبلية الموجهة للطفل او كقصص وروايات
أولي في مشاريعي المقبلة عناية خاصة بالطفل واليافع، انطلاقًا من قناعتي بأنّ بناء القارئ يبدأ مبكرًا، وأنّ أدب الطفولة ليس هامشًا بل أساسًا. من بين أهم هذه المشاريع نقل وترجمة عدد من أبرز قصص الأطفال في القرن التاسع عشر أو تحويلها إلى قصص مصوّرة بأسلوب المانغا، وهي قصص شكّلت وعي أجيال كاملة في الغرب، وما يزال أثرها قائمًا إلى اليوم. بعض هذه الأعمال جاهز حاليًا للنشر، وبعضها الآخر في طور التحضير، ضمن رؤية تسعى إلى تقديم هذه النصوص بلغة عربية حيّة، تحافظ على روح الأصل وتراعي القارئ المعاصر.
إلى جانب ذلك، أعمل على نقل عدد من الروايات الكلاسيكية المغمورة إلى العربية، من بينها “باغ وبهار” لأمير خسرو الدهلوي، وهو نص تأسيسي في السرد الهندي-الفارسي، و”سردية إقامة فتح الله صغيّر بين العرب الرحّل” لألفونس دي لامارتين، بما تحمله من تمثّلات للآخر العربي في الكتابة الغربية، إضافة إلى رواية “1492” لماري جونستون، وثلاثية إلسا باركر “رسائل من الميّت الحي”، وغيرها من الأعمال التي نشرت بعض فصولها سابقًا في موقع “الحوار المتمدّن”.
وفي ما يخصّ اليافعين، أنهيتُ كتابة عشرات القصص، أدرجتها في سلاسل كأدب الجريمة، وحكايات السفن، وحكايات العجائب والغرائب، وقصص الخيال العلمي، وذلك لسدّ هذه الثغرة في أدب الناشئة. وقد سلّمتُ جزءًا منها إلى دور نشر، وقد تعرض قريبا في معرض الكتاب الدولي.
كما أشتغل بالتوازي على كتاب في المطارحات الأدبية، يتقاطع فيه النقد بالتجربة والقراءة بالكتابة، إضافة إلى رواية أوشكت على الانتهاء منها تحمل عنوان “في موقد تحت التحميص”، وهي رواية تعالج إشكالية تغيّر مناخ.
باختصار، مشاريعي القادمة تتحرّك في اتجاهين متوازيين: نقل نصوص كبرى إلى العربية لإغناء مكتبة القارئ الشاب، ومواصلة الكتابة الإبداعية بوصفها فعل مساءلة دائمة للعالم، لا استجابة عابرة لراهن ثقافي سريع الزوال.
هل هو زمن الرواية بتونس خاصة مع الكم المنشور والجوائز العربية والوطني
يمكن القول إنّنا نعيش زمن هيمنة الرواية أكثر ممّا نعيش زمن الرواية بمعناها الجمالي العميق. فالكمّ المنشور في تونس لافت فعلًا، والرواية أصبحت الجنس الأدبي الأكثر حضورًا في دور النشر، وفي الإعلام، وفي الجوائز العربية والوطنية، وهو ما خلق انطباعًا عامًا بأنّ الرواية هي التعبير الأبرز عن اللحظة الراهنة.
لكن هذا الحضور الكمي لا يعني بالضرورة أنّنا أمام طفرة نوعية متكافئة. فالرواية، بحكم انفتاحها وقدرتها على استيعاب التاريخ والسياسة والتحوّلات الاجتماعية، صارت الوعاء الأسهل لتفريغ القلق الجماعي، وأحيانًا لتسجيل المواقف، أكثر من كونها مشروعًا سرديًا يُراهن على التجديد الفني. لذلك نجد أعمالًا مهمّة وجادّة، إلى جانب أعمال أخرى كُتبت على عجل، أو بدافع اللحاق بموسم الجوائز.
الجوائز، بلا شك، لعبت دورًا في تكريس هذا الوضع. فقد منحت الرواية شرعية رمزية وإعلامية، وجعلتها في صدارة المشهد، لكنها في المقابل ساهمت أحيانًا في خلق نوع من النمطية، سواء في المواضيع أو في تقنيات السرد، حيث أصبح بعض الكتّاب يكتبون وهم يفكّرون في لجنة التحكيم قبل أن يفكّروا في النص ذاته.
ومع ذلك، لا أرى هذا المشهد سلبيًا بالكامل. فغزارة الرواية تعكس حيوية ثقافية، ورغبة في الحكي، ومحاولة لفهم الذات والمجتمع في مرحلة انتقالية معقّدة. الإشكال الحقيقي ليس في كوننا نكتب الرواية، بل في أن نعيد الاعتبار لبقية الأجناس الأدبية، وأن نترك للنص زمنه الطبيعي في النضج بعيدًا عن منطق السباق.
في تقديري، نحن نعيش زمن كثرة الروايات، لا زمن الرواية بالضرورة. وزمن الرواية الحقيقي هو ذاك الذي تفرزه نصوص قادرة على البقاء، وعلى إعادة طرح الأسئلة بعد أن تنطفئ أضواء الجوائز ويهدأ صخب النشر.
التجأتم للنقل الى العربية لنصوص اليافعين لماذا وما هي اهم الاسماء التي نقلتم نصوصها للعربي
لم ألجأ إلى نقل نصوص اليافعين إلى العربية بوصفه حلًّا بديلًا عن الكتابة، بل بوصفه جزءًا من مشروع ثقافي أوسع. فالقارئ اليافع العربي يعاني من نقص واضح في النصوص السردية المتينة، خاصة تلك التي تجمع بين المتعة والعمق، وبين المغامرة والسؤال الإنساني. والنقل، حين يُنجز بوعي، ليس استنساخًا، بل فعل قراءة وكتابة ثانية.
اخترتُ نصوصًا شكّلت وعي أجيال من اليافعين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لأنها نصوص صمدت أمام الزمن، ونجحت في مخاطبة القارئ دون وصاية أو تبسيط مُخلّ. هذه النصوص تساعد اليافع العربي على الانفتاح على تجارب إنسانية أخرى، وفي الوقت نفسه تُغني مخيّلته وتمنحه أدوات للمقارنة والتفكير.
ثمّة سبب آخر لا يقلّ أهمية، وهو أنّ النقل إلى العربية يُسهم في سدّ فجوة تاريخية في مكتبة اليافعين لدينا. فبينما توفّرت للأطفال نصوص كثيرة، بقي اليافع مهمَّشًا نسبيًا. أردتُ من خلال هذا المشروع أن أقدّم له أدبًا يحترم ذكاءه، ويُراهن على السرد لا على الوعظ، وعلى السؤال لا على الجواب الجاهز.
كما أنّني أتعامل مع النقل باعتباره موقفًا ثقافيًا: اختيار النص، وتحديد ما يُنقل، وكيف يُنقل، كلها أسئلة نقدية بقدر ما هي لغوية. هدفي ليس فقط تقديم نص جميل، بل إدخال القارئ اليافع في حوار مع تاريخ الأدب العالمي، وتمكينه من رؤية نفسه داخل هذا الأفق الإنساني الواسع.
والنصوص التي نقلتها وتمّ نشرها هي “كنز القراصنة” لجورج غارتنر، وقصّة الصخرة لروبرت مايكل بالانتاين، والإبحار الأخير للقارب دولفين لتوماس بيلي ألدريتش، وأطلقوا قارب النجاة للسيدة أ.ف. وولتون، وهبة البحر لنفس الكاتبة.
في النهاية، أرى أنّ الكتابة لليافعين، سواء كانت إبداعًا أو نقلًا، هي استثمار طويل المدى. فإذا نجحنا في تكوين قارئ شغوف اليوم، نكون قد أسّسنا لكاتب وناقد ومواطن أكثر وعيًا غدًا.
ما هي النصوص التي اوليتموها قلمكم النقدي ولماذا
معظم النصوص التي اهتممت بدراستها هي لأولئك الذين تجاهلهم القلم النقدي للأكاديميين، لاعتبارات سياسية. ولنقل للمهمشين في الأدب، نصوص لافتة لكن رقاب بعض النقّاد قد قدّت من الصخر لا تستطيع التلفّت إلى اليمين، فأخذت على عاتقي الحفر فيها مثل رواية آخر الموريسيكيات لخديجة التومي، ومتتالية حياة لأحمد طايل، وديواني الشاعر فتحي ساسي، كنت أعلّق وجهي خلف الباب وطريقة جديدة للغياب، وخنساء في سجن النساء لمحمد عزّ الدين جميّل، وغيرهم. بالإضافة إلى تلك المداخلات التي شاركت بها في ملتقيات وطنية أو عربية، أو تلك النصوص التي تناولها النقّاد بنادي القصّة في مطارحات أدبية، والتي كنت أتولى تغطيتها لنشرها في الصحف. ثمّ جمعتها بعد ذلك في كتابين والثالث قادم.



