spot_img

ذات صلة

جمع

بعض التّجارب.. “منارات”..

شاهين السّافي بعض التّجارب تسكن سويداء القلب، فحين نخوض غمارها...

قراءة في كتاب “اخترتُ أن أكون…” لعبد الله الشرڨي

بقلم: الأسعد الواعرصدر سنة 2023 عن دار صامد كتاب...

جدل الآن والأمس في يوميات إمرأة حالمة لنجوى عمامي

رياض خليفتعتبر اليوميّات من أبرز أشكال الكتابة الذاتيّة الحميميّة،...

المُنعرج الثقافي الخطير

حسني عبد الرحيم منذ البداية كانت المجموعات البشرية لا تعيش...

المُنعرج الثقافي الخطير

حسني عبد الرحيم

منذ البداية كانت المجموعات البشرية لا تعيش في عزلة تامة عن بعضها البعض فقد تكفلت وسائل التنقل البدائية والإضطرار للترحال لتتبع المراعي والأمطار والفرار من الجفاف والغزو والهجرات الكبرى والتجارة العابرة (طريق الحرير -البحر المتوسط -شمال ووسط أفريقيا)من تداخل المجموعات البشرية وثقافاتها ..لكن هذا التداخل كان عبر تخوم محدودة وبين جيوش متصارعة تتمحور على جمع جبايات وأسر عبيد ليصبحوا خدم وجنود في غزو تالي !هذا لم يمنع التداخل الثقافي والديني بألأساس فبحسب المؤرخ عبد الرحمن أبن خلدون “تميل اشعوب المغلوبة لتبني ديانة وقيم الغالبين” هكذا تم إنتشار الأفكار الهيلينية في حوض البحر المتوسط وكذلك فيما بعد الديانات المتوسطية!كانت التجارة عنصر قوى في نشر الإسلام في آسيا بينما لعب الغزو(الفتح) الدور الاكبر في شمال أفريقيا مع دين ملائم للتكوين الإجتماعي بينما التجارة قامت بالدور في آسيا!
الإمبراطوريات الإقطاعية (القيصرية-العثمانية -النمساوية…الخ)شكلت مرحلة وسطى متداخلة بين العبودية والرأسمالية وشكلت الوعاء الذى تكونت خلاله القوميات وبالتالي الثقافات واللغات القومية في وسط أوربا وشرقها بإنحلالها أواخر القرن التاسع عشر تفجرت المسألة القومية والحروب المختلفة(حروب البلقان-الحرب العالمية !
إنبثاق الرأسمألية والإنتاج السلعي المُعمم في الجزيرة البريطانية وأوربا وإستعمار العالم ادى لإنزياح ثقافي معمم تواكب ذلك مع إنشاقاقات ثقافية و دينية في المتروبول مثلته الحركات الإنجيلية والبروتستانت بشكل عام وجد متسعآ له في أمريكا الشمالية بينما أمريكا اللاتينية الزراعية وغير المصنعة تركز فيها الثقافة اللاتينية (الأسبانية-البرتغالية)مع الكاثوليكية الدينية وظل هذا حتى بدا النمو الصناعي والتحول للبروتستانتينية(البرازيل)!
في المستعمرات الشرقية والأفريقية تزامن الغزو مع بعثات التبشير الدينية وساهم في تكوين إيليت إجتماعى(الجامعة الامريكية في القاهرة وبيروت ومدارس الإرساليات والليسية والمدارس الألمانية) وبزوغ منهجية الإستشراق والتي ساهم فيها العديد من المبشرين المسيحيين الأوائل (الأب” عيروط” في مصر) التى تشمل دراسات إجتماعية وأعمال أدبية وفنون لتكون صورة عن الشرق المٌستـعمرنفذها غربيون عن الحياة في المستعمرات وبالأخص الشرق اوسطية وفي وسط آسيا وشمال افريقيا وشكلت دليل للسياسة ا لغربية (مثال برنارد لويس وآخرين) . الإيليت الثقافي الجديد يتبنى الثقافة الغربية مع تحديث محدود وتعليم بهدف بناء إدارات معاونة من موظفين يشكلون القاعدة للسيطرة الإستعمارية! يتماثل ذلك مع خلع الطربوش والشاشية من مواريث الثقافة العثمانية دون تبدل كبير فيما تحت الطربوش! وأُدخلت المدارس الحكومية مع تعليم مختلف عن التعليم الديني دون ان يرقى لتعليم عصري.
الأزمة العالمية الكبرى للغرب في مطلع القرن العشرين نتج عنها الحرب العالمية الاولى وحركات التحررالسياسي المستعمرات والثورة الروسية كعملية ضخمة للحاق بألغرب والخروج من نمط الأنتاج الراسمالي في ذات الوقت!والاهم بداية السيادة الامريكية في الغرب بما يتضمن سيادة ثقافية مع صعود موسيقى الچاز و السينما والرواية الحديثة وتزامن ذلك مع إختراع الراديو ثم التلڤزة وتوسع المسيحية الخلاصية والصهيونية!وانتقال مركز العالم للغرب الصناعي مع التايلورية وماليآ مع بنوك الاستثمار(الراسمال المالي) وبورصتي “وول ستريت” و”شيكاجو” ! الآن شركات التوزيع ك”وللمارت” وأمازون أصبحت المُشغل الرئيسي للعمالة (1.6 مليون،1.3 مليون على التوالي) وبالتالي فالحركات العمالية والنقابات التي تكونت حول “اقتصاد المصنع” تتلاشي والثقافة المرتبطة بها ستضمحل.
الصين تعرضت للغزو البريطاني والياباني والروسي ولم يمنع سور الصين العظيم حرب الافيون وبالتالي التبشير لكن الحرب الوطنية الكبرى اوقفت قرن التدهور لتعود الصين (جمهورية الصين الشعبية و تايوان) للنمو المتصاعد والخروج من الحلقة المغلقة للتخلف وتواكب ذلك مع تهجين ثقافي بين موروثات بوذية و كونفوشيوسية وفلاحية عضوية مع تحديدات رأسمالية في ثقافة العمل والحياة اليومية (العدد الهائل الدارسين الصينيين في الولايات المتحدة وبريطانيا )وهو الطريق الذي بدأته اليابان فيما بين الحربين تحت مظلة إمبراطورية حداثية وإمبريالية عسكرية ثم أحهزت عليها الحرب العالمية الثانية ولكنها عاودت الإنطلاق الصناعي والثقافي الهجين تحت الهيمنة الامريكية! منذ سنوات تمر اليابان بأزمة هوية حادة عبرت عنها في السينما والأدب!
مجمل تاريخ القرن التاسع عشر والعشرين حول التوسع الرأسمالي الذي تتخلله أزمات ينتج عنها خروجات تحاول انتهاج طرق مختلفة لتحقيق التراكم والتحول للحديث ثقافيآ ولكنها لاتنجح و تعاود التكيف(الأتحاد السوڤيتي والصين الشعبية)!
“يصنع البشر تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه بشكل اعتباطي أو في ظروف اختاروها بأنفسهم، بل في ظروف موجودة وموروثة من الماضي.””(كارل ماركس )الثامن عشر من برومير لوي بونابرت)!وعندما يصرح رجل دولة مهم وعالم چيولوچي كبير” كلود أليجر”بان فرنسا مازالت في الجوهر ملكية وكاثوليكية !بغد ثورة كبرى(1789) وحربين عالميتين وحروب مستعمرات وتقدم تقني وثقافي مذهل، فهذا أدعى للتفكير بجدية حول قوة الماضي الثقافي والديني وقوة العادات في الحاضر اليومي!
التاريخ الأقتصادي والثقافي للقرنين الماضيين هو عملية موضوعية للسيطرة على العالم تحت الهيمنة الرأسمالية وهذا تم جزئيآ وأنتج مكونات هجينة وثقافات هجينة حيث اختلط الحديث بالمورث الثقافي وكان ذلك بفعل حدود الوسائل المتاحة في هذا الزمان ولكننا بعد إنهيار البدائل الدولتانية ومأزق حركات التحرر الوطني والتطور المذهل الحالي للتكنولوچيا الرقمية والتى تستحوذ عليها الولايات المتحدة أساسآ نواجه شرطآ موضوعيآ مختلفآ كليآ عما حدث خلال القرنين الماضيين فالخروج خارج المنظومة لم يعد في متناول اليد كما كان عبر حروب تقليدية وثورات فلاحية!فالتغلغل لوسائل الأتصال والمعلوماتية المتسارع قد شمل كل الحياة المعاصرة من الحرب عن بعد حتى التدخل في مسارات العقل نفسه والچينات الوراثية المعدلة وقد عبر ذلك عنه في فلسفات النهايات والمابعدية والتى لاتعترف بألمرويات التاريخية بل تفكك المقولات السابقة لما قبل الحداثة و للحداثة نفسها !لقد أضحي التحكم في مدخلات ومخرجات العقل البشري آمرآ نافذآ والذكاء الصناعي يستبدل عمليات الذهنية بخوارزمات رقمية!وأصبحت الآله(الروبوت) تشمل بديلآ عن العمل البشري الذهني والروبوتات تستبدل العمل اليدوي!إمكانيات التدخل حتى عبر الهندسة الوراثية في مكونات النسل والمنتجات الحيوانية والزراعية وحتى البيتكوين (الرأسمال الرقمي) يستبدل العمولات الفعلية!
تقريبآ العدد الأكبر من سكان العالم يتلقون معلوماتهم وتكوينها العقلي عبر أجهزة التليفونات الذكية والكومبيوتر الشخصي أصبحا في حوزة الكبار والصغار ..و في ذات الوقت تتحصل على معظم صفاتهم الشخصية وحالتهم العقلية وتوجهاتهم والعاطفية ويتم إرسالها وتخزينها وإحتكارها في مراكز بيانات ؟وسحابات رقمية تدار لمصلحة عدد من كبار المليارديرات وحاملي الأسهم في الولايات المتحدة وخلصائها..والأموال المستثمرة في مراكز البيانات تصل لمئات البليونات من الدولارات! طبعآ هذه الاستثمارات تنتظر العائد الكبير ويشتري مالكوها وسائل الإعلام والترفيه الكبرى لبث مايريدون(إنتقال ملكية أستوديوهات هوليود (وارنر -بروسة) لمالك واحده من أكبر شركات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الصناعي( لاري اليسون ) الذي أستحوذ سابقا على قنوات تليڤزيونية و”تيك توك”-استحواذ مالك أمازون(بيزوس) على صحيفة “الواشنطن بوست” إستحواذ الملياردير “إيلون ماسك “على تويتر X! المسألة هي أن مالكي شركات التكنولوچيا الرقمية يستولون على وسائط الإتصال والإعلام ليسيطروا على المبثوث من أخبار وثقافة ومعلومات.
لم يعد الأمر مقتصرآ على التدخل المباشر الحربي أو الإقتصادي أو الثقافي بل عمليات مركزية تتم عن بعد وتعيد تشكيل العالم المعاصر! يتوقعون أن كثير من المهن الذهنية كألطب والجراحة والهندسة حتى الأدب والموسيقى والسينما سيؤلفوا بالذكاء الصناعي في ديسيوتوبيا لم يتخيلها كل المتشائمين عبر عصور التقدم الحداثي منذ بداية القرن الثامن عشر ولا حتى في روايات الخيال العلمي المرعبة!
السماوات المفتوحة للستاليت والشبكات التواصلية وشبكات التحكم الرقمية ليست مجرد أدوات تكنولوچية وإقتصادية حديثة ومتطورة إنها تغيير جوهري للزمان والمكان لاتستغرق النشاطات الإقتصادية وغيرها أي وقت .. صارت تتم لحظيآ ولايمكن لهذا سوى ان يغير الثقافات تغييرآ جوهريآ خاصة إذا كانت معظمها تتم تحت سيطرة ثقافة واحدة هى الأنجلو -ساكسونية في طورها الأمريكي وليس هذا فقط بل يحكمها شريحة مهووسة بالمال والتكنولوجيا والسيطرة التجسسية داخل هذا النطاق! هذا الكابوس الخطير يتشكل بمعدلات خطيرة ويتحول لدين جديد!وهذا له مدلولات اخلاقية وثقافية ستتمظهر أمام أعيننا خلال السنوات القليلة القادمة وهو مايشكل تحول خطير هائل لعديد من الثقافات في العالم كله نحو “مابعد الإنسان” وإزالة الماضي هو ماتخيله بعض المستقبليين الإيطاليين وأنتهى بألفاشية و”سلفادور دالي”. ما حدث من تداخل الثقافات خلال القرون الماضية كان يحدث بوسائل محدودة مكانيآ وزمانيآ وكان تأثيرها بألتالي محدود ..الأدوات الحديثة المثيرة للمخاوف لم تعد مجرد وسائل إنها تتجاوز المكان والزمان السابق ولهذا فهي تسبب هذا الإضطراب الحادث في كل مستويات المعرفة بسبب شمولها وسرعتها التي تتجاوز القدرة على تحليلها وفهمها!هل تنفجر كفقاعة تكنولوچية كما أنفجرت إفتراضات تكنولوچية وعلمية سابقة كألسيمياء والأثير ؟ أم سنعاني من ويلاتها المفترضة؟بألإمكان التفاؤل بألتشبس المَعْرفي بألحكمة القديمة للقرن التاسع عشر الذي هو قرن التفاؤل بألحداثة قبل كارثة الحرب العالمية الأولى والتى حولت الفكر الأوربي للتشاؤم!: “أن التاريخ لا يطرح المشكلات إلا تلك الذي يمكنه حلها”(كارل ماركس).
spot_imgspot_img