حسني عبد الرحيم
دشنت اختراعات الروبوتات والذكاء الصناعي مناقشة عالمية حول العلم والتقنية وأثرهما في تحول العالم وإدراك البشر لطبيعة الكون الذي يعيشون فيه ومن خلاله.. الطبيعة ليست من اختراع الإنسان، ولكن العلم والتقنية هي ما يميزه عن بقية المخلوقات التي تسكن معه في كوكب الأرض الذي هو جزء صغير جدا من الكون! لكنّه الكوكب الوحيد حتى الآن الذي وجدت فيه حياة عضوية ومن بينها الإنسان الذي أصبح بدورة عاقلا ويؤثر على مسار الكون ذاته عبر التحم في الطاقة وتوليدها من المادة وتحويلها واستخدامها.
لا تنبثق المفاهيم من التفكير الحر للذوات، بل عبر اللغة التي هي من المرويات وبالتالي محملة بخبرة التاريخ الماضي، لكن اللغة تتكون بالأساس ضمن التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية والتي هي مرهونة بالعلم والتقنية وفي صلبها توليد الطاقة واستخدامها! أولا كان استخدام الطاقة العضوية للحيوانات والأسرى والعبيد في تحريك الأدوات الأولية للصيد والرعي والزراعة وكذلك في القوات الحربية كانت الأفيال والخيول والجمال هي المهمات العسكرية في الحروب مع السيوف والسهام والرماح وكان اختراع العربة التي تجرها الخيول عامل حاسم في نتائج حروب الإمبراطوريات (الفارسية والرومانية)! وكانت تتكوّن ضمن ذلك فكرة عن الزّمن والمسافات وكذلك عن الكون تمثلت في الأديان ذات الآلهة الطبيعية المتعدّدة (اليونانية والرومانية) والشخصنة في تماثيل، وديانات الشرق الأقصى الأسيوية (البوذية والكونفوشسية) وعبادة الكواكب والشمس في وسط آسيا وبعدها الأديان التوحيدية في شرق المتوسط! ولم يكن تحوّل المسيحيّة لديانة عالمية إلا بواسطة الإمبراطور الروماني “أغسطس” والذي لم يكن هو نفسه مسيحيا حتى تعميده عند موته ولكنها كانت الطريقة لتوحيد الإمبراطورية والتي تنازعتها المسيحية مع الديانات الرومانية القديمة وكانت المسيحية هي التيار الرئيسي للجماهير الفقيرة والتي هي الأغلبية وبقيت الأرستقراطية على دياناتها حول كبير الآلهة ”زيوس” بمشاركة آلهته المتعددة ..كان إعلان “اغسطس” المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية وكان توحيد الطقوس والمفاهيم عبر “مجمع نقية” في سنة 385 ميلادية والذي شكل محتوى الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية) وتحديدات “سان أوغستان” التالية ! لم تبق المسيحية موحدة بعد تطور نظم الإنتاج والمعرفة العلمية فحدث الانفصال الكبير بين الكنيسة الجامعة ومختلف الطوائف البروتستانتية والإنجليكية وهذا الانشقاق هو التشكل الجديد لمسيحية خارج النظام الإقطاعي للفاتيكان وتبعه الحروب” الدينية”-حرب الثلاثين عاما- وحتى الحربين العالميتين في أوربا لم تخلوان من نوازع دينية بالرغم من طابعهما لسياسي(الديموقراطية ضد النازية والفاشية في المانيا واليابان) هو في الأصل صراع على الأسواق والمستعمرات. الحروب الصليبية كانت بقيادة البابوات للحصول على موارد الشرق والذي بزغت فيه الديانة التوحيدية الأحدث واخذت في التوسع على حساب الامبراطوريتين المتنافستين.
هذا كله جري ضمن قوى إنتاج محددة باستخدام الطاقة العضوية العضلية سواء من الحيوانات المستأنسة أو الإنسان ولم تخترع بعد عمليات تحويل الطاقة ولا اختزانها!
التحول الكبير مع المحرك البخاري والذي يحول الطاقة الحرارية إلى ميكانيكية التي تستبدل جزءا هامّا من الطّاقة العضوية وأعقبه محرك الاحتراق الدّاخلي للبترول ومشتقاته والنتيجة تشكل الصناعة -المصنعية- المجمعة وتنظيمها “التايلروي” على هيئة سلسلة أعمال متتابعة! تطورت والرأسمالية والمدن الكبرى وبدأ الريف يفقد موقعة كمحور للنشاط الإنساني الزراعي ويبقى فقط مختصا في إنتاج الغذاء وبعض السلع الرأسمالية كالقطن والصوف! وأصبح الوقت والزمن يقاس بالساعات والدقائق! التي تواجدت نماذج الآلية في الميادين وعلى البنايات الكبرى ومحطات السكك الحديدية بالمدن الحديثة كتماثيل للوقت ،وأصبح كل شيء يقاس بالوقت المبذول فيه وليس بقيمته الاستعمالية ولا بضرورته الحياتية وأصبح المعدن الذي ليس له استعمالات هامة في الحياة ولكنه فقط للزينه ولأنه نادر و يتطلب جهدا لاستخراجه وتنقيته (الذهب) هو مقياس للقيمة وأصبح التبادل يتم عبره كوسيط تم التعبير عن قيمته بالنقود التي يمكن تبادلها مع الذهب الذي يغطيها وتكونت البنوك التي تمول الصناعة وتحول المدخرات لرؤوس أموال ثم تحول النظام كله بقرار أمريكي لاعتماد الدولار منقوش عليه عبارة (نحن نثق في الإله) بدلا من الذهب( بيرتون -وودز) وبضمان الناتج القومي الأمريكي! والدول القومية التي تحمي رؤوس الأموال وتصدر العملة! وتشكل خلال ذلك كله اللغات القومية ونظام الدول التمثيلية والتي سميت عبر تحولات كبرى ديموقراطية تمثيلية. والأهم من ذلك كله العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة وبالأساس القانون والأسرة وصياغة المفاهيم عن العالم والكون ليحل العلم التجريبي محله وأصبح التفسير الميكانيكي للتاريخ كعملية تطور من البسيط للمركب من داخل العالم المادي وليس من فعل قوة خارج الطبيعة.
المحرك البخاري والديزل غيروا موقع الإنتاج (المصنع) وتنظيم المُدن وتموضع السكان والنقل البحري بواسطة السفن الضخمة المدارة ميكانيكيا بمحركات البخار والديزل لكي تصبح التجارة العالمية أهم عوامل التراكم الرأسمالي ولتصبح الرأسمالية إمبريالية.
ذلك خلق امكانية التفكير في العالم كوحدة والأفكار المنطقية والفلسفات المرتبطة بذلك هي مرويات الأيدولوجيات الرئيسية في القرن التاسع عشر (سيادة-سلام عالمي- حوكمة-ديموقراطية حتى آخر السلسلة الأيدلوجية للقرن التاسع عشر والعشرين.. الخ)!
ثورة توليد الكهرباء الديناميكية ونقلها عبر الشبكات وتعميمها في المدن والريف والأجهزة المعتمدة عليها جعل نمط الحياة والاستهلاك البرجوازي معمّما حتى أنّ رجل نافذ البصيرة (لينين) يستطيع القول بأن الاشتراكية هي المجالس (السوڤيتات) بالإضافة لكهربة الريف)! وهذا طبعا هذا لم يحدث لكنه يشير لمدى التعلق بالعلم والتكنولوجيا في تحويل المجتمعات لمجتمعات أخرى. بينما تحولت اليهودية للصهيونية تحولت المسيحية الغربية في إنجلترا وأمريكا لمسيحية-صهيونية ليس بفعل العقل النقدي، بل بفعل القوة المادية لنمط الإنتاج الرأسمالي -الإمبريالي وتوسعة وإعادة بناء الحياة الروحية للأفراد والمجتمعات لكي يواكب ذلك ويبرره ويدفعه لأقصى إمكانياته ونتج عن ذلك ممانعات أيديلوجية وحتى دينية أرثوذكسية ولم تكن الحركات الاشتراكية خارج هذا التموقع على الرغم من وعودها بتجاوز نمط الإنتاج والتي نتج عنها يوتوبيات متنوعة!
خلال قرنين تكيفت المسيحيات المختلفة في العام الرأسمالي مع التقنية وهذا جوهر تحليل “ماكس فيبر” حول الرأسمالية والبروتستانتية! وحتى تصريح بأن المسيحية هي المدى الذي لا يمكننا تخطيه! هما طبعا يتحدثان عن ألعالم الغربي وعن المسيحية الأصولية-الإصلاحية سواء بروتستانتية أو أنجليكانية في أوربا وأمريكا الشمالية أو ما نسميه بالغرب الرأسمالي المسيحي وإلى حد ما اليهودي كما في عُرف “كارل ماركس” عجل الذهب هو إله اليهودية” (المسألة اليهودية).. فالرأسمال اليهودي(مجازا) كان حاسما في تشكل مؤسسات التمويل والادخار والتطور الرأسمالي المواكب وهو في ذات الوقت كان عائقا يواجه رأسمالية صناعية قومية (يمكن فهم العداء لليهود في أوربا الشرقية والمانيا ضمن هذا السياق في التحول من رأسمال تجاري لرأسمالية صناعية)! هناك تكيف آخر في شرق آسيا الرأسمالية في اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وماليزيا، وتايوان، والصين.. وهو مختلف نوعيّا عما حدث في الغرب! إنه تكيف البوذية والكونفشيوسية مع عالم السلع المعمعة! تحولات غير مصرح بها إلا عبر بعض الأعمال الأدبية المترجمة المعروفة” اعترافات قناع لـ”ميشيما” و”البحر والسم” للياباني” الكاثوليكي-البوذي! “شوشاكو لإندو” و”أنشودة ماريانا” ل”شتشيرو فوكازاوا” وأخرجت فيلما لـ”إيمامورا شوهية”و هي تمثيل لحد كبير للانخلاع الروحي لأمة دخلت عصر التحولات الرأسمالية متأخرة زمنيا لتدخل في وضعية ثقافية رأسمالية متناقضة مع موروثها الثقافي الديني الذي تنخلع عنه!
هناك ملاحظة عميقة للعالم والوزير الفرنسي السابق للتعليم والبحوث “كلود الليجر”!
-الوعي البشري بالتغير يتخلف عن إدراك مسبباته فالتسارع في عملية تطبيق العلم في التقنية جعلت مواكبة ذلك متأخرة الإدراك مضت عقود حتى أمكن استخدام المحركات والكهرباء وحتى النظائر المشعة والانشطار الذري في تطبيقات تقنية.. بينما الآن تتحول الاكتشافات العلمية للتطبيق في الحياة الاقتصادية بعد فترة زمنية محدودة وربما آنيا.. بما لا يستطيع الإدراك ملاحقته وتجنب بعض نواتجه المدمرة أحيانا”!
ثورة أشباه الموصلات والمعلوماتية والإعلام ليست مجرد تغير علمي وتقني إنها تغيير كامل للوجود الاجتماعي نفسه وللإدراك كعملية عقلية لفهمك أو توجيهه عبر براديجمات مختلفة في شكلها ولكنها متطابقة في جوهرها ونتائجها المحسوسة والمستقبلية والتي لا يمكن إدراكها إلا “فيما بعد” والحال إن البراديجمات التي تتمثل بها وتدركها متشكلة في نظام التفكير القديم للعقل البشري وهو نظام “الحكايات الكبيرة” التي يتصور” ليوتار “نهايتها في تقريره عن ما بعد الحداثة بينما يكتب لفيلسوف ”جاك دريدا” أن “العِلم التقني” يعيد إنتاج فضاء عقلي للتدينية. التتظيرتين كلاهما تقادم الآن لتأتي تهيؤات الذكاء الصناعي بينا يحمله من نهايات للتفكير البشري ذاته ليحل محله تفكير صناعيAI يعتمد على مراكز معلومات وسحابة رقمية تختزن كل ما هو ما تم التعبير عنه وتستبدل النشاط الإبداعي والمهني بتجميع وتوليد لمحتويات معرفية ولغوية(رقمية) مختزنة في “مراكز معلومات” تستهلك كميات مهولة من الطاقة والمياه! المعبرين عن هذا الأفق “الديسيوتوبي” ليسوا فلاسفة بل مستثمرين كبارا جدا ومطورين لتلك المراكز كـ”أيلون ماسك” ولتلمان “ و”زوكربيرغ ”وآخرون “ربما يمكن تلخيص توقعاتهم و انتظاراتهم في مسلسل النهايات: ”نهاية العمل” (جيرمي ريفكن) ونهاية التاريخ” ( فرانسيس فوكو ياما)” و “نهاية الإنسان” كما عرفناه تاريخيا كفاعل رئيسي في العالم عبر حضارات متتابعة ليحل محله الربوت والذكاء الصناعي !وهو توقع أنه للعجب متماثل مع تنبؤات ومواريث دينية معينة !عن ”الأبوكاليبس” ونهاية العالم” (يوم القيامة (الساعة) ونهاية الإنسان وفي ذات الوقت هاجس تنبؤات الكارثة البيئية المحدقة! والملاحظ هو تزامن ذلك مع عودة دينية في الغرب! وهو ما يعارضه آخرون من متخصصين وعلماء كبار في أصل اللغة والإدراك وبالتالي المعرفة” ناعوم تشومسكي” ولا يرون فيه سوى وسيلة تقنية (ببغاء أتوماتيكية) لا تستطيع الفهم ولا تنتج مفاهيم عن العالم، بل تعيد ترتيب وتركيب ما انتجه الإنسان العاقل. لكن المنتظر والأكيد أن هناك نقطة تحول كبرى لجميع الثقافات والأديان والأيدولوجيات فيما بعد” ما بعد الحداثة”. العالم يتبدل بسرعة الضوء ولا يسع العقل البشري أن يواكب تلك التغييرات المرعبة بما ينتج عنها من انخلاع وربما وصول إلى حافة الجنون العالمي المُعمم ذلك لأن الإنسان لا يمكنه العيش إلا في وضع معقول بالنسبة للـ”براديجم” الذي يتمثل من خلاله، ويستطيع إدراك شروط الوجود ومآلاته لكي يتواءم معها أو يرفضها أو يغيب عنها في السرمديات والنهايات الخيالية الحديثة. هذا بعض ما يتوقعه رجال التكنولوجيا الرقمية الجديدة حتى وصل بعضهم للقول بألوهيته بعد عشنا في مرحلة ألوهية أبن الإنسان! وسط استثمارات بالتريليونات تحميها أسلحة نووية وبوارج وناطحات سحاب وبنوك وسحابات رقمية تُخزن كل ما نعرفه! يمكنها إنهاء أي أثر للحياة على كوكب الأرض بينما يستعدون للسفر لكواكب أخرى لإنقاذ أرواحهم التي تقريبا ميته خلال الوهم الفاوستي! دين جديد وقديم جدا منذ تعالى بنى البشر على الطبيعة لكي يحولوها لتماثيل من الذهب الفالصو يسجدون أمامه بورع حقيقي ومزيف ومسروق من بلايين التعساء اللذين تقتلهم المجاعات والتهجير القسري في كل بقاع الأرض الخراب .فإلى الأمام لجحيم “دانتي” “الكوميديا الإلهية” المُستدام في وادي السليكون وفي أي مكان يشبهه وتسكنه الأشباح الرقمية الشريرة!



